
ابتسام حسن
تستعد وزارة التربية والتعليم لعقد إمتحانات الشهادة الثانوية السودانية في أبريل المقبل، في ظل حرب ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على مختلف مناحي الحياة، وعلى رأسها التعليم.
وللمرة الثالثة منذ إندلاع النزاع، تُقام الامتحانات في واقع استثنائي يحرم آلاف الطلاب، خصوصاً في مناطق النزاع وسيطرة قوات الدعم السريع، من حقهم الطبيعي في الجلوس للامتحانات، ما يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة العدالة والمصير والمستقبل.
وبينما ترى الحكومة أن استمرار الامتحانات ضرورة لعدم تعطيل الحياة، يحذّر تربويون ومراقبون من تحويل التعليم إلى أداة ضمن أدوات الحرب، تستخدم للضغط والتفتيت بدل أن تكون جسراً للوحدة والسلام.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز مقترح لجنة المعلمين السودانيين بتكوين لجنة وطنية محايدة لتنسيق التعليم، كأحد الحلول المطروحة، في مقابل أصوات رافضة تشكك في شرعية اللجنة ودوافعها، ما يعكس عمق الأزمة وتعقيداتها.
التعليم من أدوات الحرب
تُعقد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في شهر أبريل المقبل لدفعة (2025–2026)، لتكون الثالثة منذ اندلاع الحرب. وفي ظل هذا الواقع، يحرم أعداد كبيرة من الطلاب في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع ومناطق النزاع من الجلوس للامتحانات، الأمر الذي من شأنه بحسب الخبراء، تحويل التعليم إلى أداة من أدوات الحرب، تستخدم لتفتيت البلاد واستهداف وحدتها، فضلاً عن تهديد مستقبل مئات الآلاف من الطلاب وتحويلهم إلى وقود للصراع.
لجنة وطنية :
كانت لجنة المعلمين السودانيين قد تقدمت في وقت سابق بمقترح يهدف إلى إنقاذ مستقبل الطلاب من الضياع، وتحويل التعليم إلى رافعة لخفض صوت البنادق ومدخل لمعالجة أزمات السودان، وفقاً لبيان اللجنة.
ويقضي المقترح بتكوين لجنة وطنية لتنسيق التعليم في جميع أنحاء السودان دون استثناء، تكون محايدة ومكوّنة من مختصين، تتولى ضمان توحيد العملية التعليمية، والإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية بما يكفل وصولها إلى جميع الطلاب.
وحذّرت لجنة المعلمين السودانيين من خطورة المسار الذي تسلكه مختلف الجهات، مؤكدة أنها تخاطب الضمير الحي للاستماع إلى صوت العقل، ووقف التلاعب بمصير الوطن، عبر قبول مقترح اللجنة الوطنية، صونا للوجدان السوداني، وحرصا على وحدة البلاد وسلامة ترابها، وحمايةً لمستقبل الطلاب.
واعتبرت أن الحرب، مهما طال أمدها، تظل حالة عارضة، ينبغي النظر إلى ما بعدها.
تداعيات الحرب :
يرى مراقبون أن إمتحانات الشهادة السودانية المقررة في أبريل المقبل غير عادلة، باعتبار أن أعداداً كبيرة من الطلاب لن تسمح لهم ظروفهم بالجلوس للامتحانات، لا سيما الطلاب المقيمين في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وبما أن الحكومة السودانية قررت إقامة الامتحانات في ظل ظروف الحرب الحالية، فإن ذلك يفترض أن يقابله إيجاد حلول لهؤلاء الطلاب.
وتعد هذه المرة الثالثة التي تعقد فيها الامتحانات بينما يعجز طلاب المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع عن الجلوس لها.
كما يتطلع الكثيرون إلى تنفيذ مقترح لجنة المعلمين بتكوين لجنة وطنية لتنسيق التعليم في جميع أنحاء السودان، بما يبعد التعليم عن أن يكون أحد أدوات الحرب، ويخفف الضغط عن الطلاب الممتحنين وأسرهم.
فقد بلغت معاناة عدم جلوس الطلاب للامتحانات مداها، وسط غياب المعالجات ووضع حسابات حقيقية لمشاكلهم من قبل طرفي النزاع والحكومة.
وقالت القيادية بلجنة المعلمين السودانيين، قمرية عمر، لـ«أفق جديد»، إن مقترح لجنة المعلمين يفتح الطريق لحل هذه المسألة، مؤكدة أنه لا يمكن أن يحرم الطلاب المقيمون في مناطق سيطرة الدعم السريع من الجلوس للامتحانات لثلاث مرات متتالية.
وطرحت عمر تساؤلا حول مصير هؤلاء الطلاب الذين لا يستطيعون الجلوس للامتحانات.
وأضافت، أن هؤلاء الطلاب سيكونون، بلا شك، وقودا للحرب، إذ إنهم في أعمار صغيرة لا تسمح لهم بالالتحاق بالجامعات أو الحصول على وظائف، مؤكدة أن مصيرهم في ظل هذا الوضع سيكون الانخراط في دوامة الحرب.
وشددت على ضرورة وضع كل هذه القضايا في الحسبان، وقطع الطريق أمام تحول الشباب السوداني إلى وقود للصراع ونار تؤججه، مشيرة إلى أن هذه الطريقة لا يمكن أن تُنهي الحرب.
وأوضحت عمر أن سلوك وزارة التربية والتعليم طريق اللجنة الوطنية، ووضع امتحانات الشهادة السودانية خارج نطاق الإشكالين السياسي والعسكري القائمين في السودان، يمثل المسار الصحيح، ويجعل التعليم أداة لتوحيد السودان وتنميته وتطوره بدلا من استخدامه كسياسة لإدارة الانقسام.
وأشارت إلى أن جميع الدول التي نهضت بعد كبواتها كان التعليم هو بوابتها الأساسية للنهوض.
حرمان الطلاب
يؤكد الواقع وجود آلاف الطلاب المحرومين من الجلوس للامتحانات بسبب الحرب في المناطق التي تمارس فيها قوات الدعم السريع التهديد وترويع المواطنين، بحسب شهود عيان.
وهي أعداد لا يستهان بها، حتى لو كان المحروم طالبا واحدا، ناهيك عن الآلاف الذين لا يجدون فرصة لأداء الامتحانات.
وبالمقارنة بين أعداد الجالسين وغير الجالسين، فإن العدد الأكبر بلا شك لصالح الجالسين، غير أن قلة عدد المحرومين لا تعني تجاهلهم أو إهمال قضاياهم، حتى لا يضيع حقهم ومستقبلهم المهدد بالضياع إذا ما استمرت الحرب في تلك المناطق.
وعليه، فإن وزارة التربية والتعليم مطالبة بالعمل على إيجاد معالجات حقيقية، عبر سنّ وإصدار قوانين واضحة تمنح الطلاب غير الجالسين الطمأنينة والضمانات اللازمة لمستقبلهم التعليمي.
قدّرت جهات تربوية أن عدد الجالسين لامتحانات الشهادة الثانوية، مقارنة بعدد غير الممتحنين، هو العدد الأكبر. غير أن هذه الجهات، وبالنظر إلى أوضاع غير الممتحنين من زاوية إنسانية عامة غير خاضعة للمقارنة العددية، عبّرت عن شفقتها إزاء الأعداد الكبيرة من الطلاب الذين حالت ظروف الحرب دون حصولهم على فرصتهم وحقهم المشروع في أداء الامتحانات أسوة بزملائهم.
حق غائب
طالبت جهات تربوية وزارة التربية والتعليم بالخروج ببيان واضح وصريح، يصاغ قانونيا، ينص على ضمان الحق الغائب للطلاب الذين فقدوا فرصة الجلوس لامتحانات سنوات الحرب، إنصافا لهم وإحقاقا للحق.
وفي الوقت ذاته، يعاني الطلاب في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع من حالة انتظار للمجهول، في ظل غياب رؤية واضحة لمصيرهم التعليمي.
وتُطرح تساؤلات حول مصير هؤلاء الطلاب، وما إذا كانت الدراسة ستتوقف في المناطق المحررة من قبضة الدعم السريع، وهل من العدل حرمان العدد الأكبر من الطلاب بسبب العدد الأقل الذي منعته ظروف استثنائية؟
كما يثار التساؤل حول ما إذا كان من المقبول أن تظل الحياة التعليمية متجمدة بسبب حرب تستغل لأهداف سياسية لا علاقة لها بمصلحة الطلاب أو مستقبلهم.
وقف تيار الحياة
قال مدير مكتب التعليم الأسبق، الإمام عبد الباقي الإمام، إن قوات الدعم السريع سعت إلى إيقاف تيار الحياة بصورة عامة، مستهدفة قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، إضافة إلى ممارسات الاغتصاب والتشريد والإذلال وتهجير المواطنين، وذلك في سبيل الوصول إلى كرسي الحكم بأي وسيلة، بعيدا عن هموم الناس ومصالحهم.
واعتبر أن هذا الفهم القاصر والوصولي القائم على الهمجية يدفع هذه القوات لاعتبار ما تقوم به نصرا، تستخدمه كورقة ضغط على المواطنين والجهات الرسمية، تمهيدا للدخول في مفاوضات تعيدها إلى السلطة التي فقدتها بسبب السلوك غير الأخلاقي الذي مارسته.
وأضاف الإمام، في ما يتعلق بمقترح لجنة المعلمين التي وصفها بالذراع السياسي للدعم السريع، أن هذا المقترح لا يأبه به أحد، مؤكدا أن اللجنة جماعة معزولة. واعتبرها نبتا طفيليا منبوذا من قبل المعلمين، وغير معترف به شرعا من مسجل تنظيمات العمل. وقال إن اللجنة التي أطلقت لنفسها العنان في ظل تغييب الأجسام الشرعية، وجدت فراغا استغلته في أجواء الفوضى وغياب القانون المنظم للحياة والعمل، وبحساب المنطق والقانون تعد كيانا غير حقيقي، لا يحق له الحديث عن مصالح الطلاب إلا من باب كون أعضائه معلمين تهمهم مصلحة أبنائهم الطلاب فقط.
واعتبر الإمام أن مقترح لجنة المعلمين ليس سوى “فهلوة”، وفرضا للذات بشرعة الغاب، مؤكدل أنهم أول من أصاب التعليم والطلاب في مقتل عندما خرجوا في تظاهرات بشعارات وصفها بالبراقة والخادعة، مثل شعار “لا تعليم في وضع أليم”، في وقت كان فيه التعليم، بحسب قوله، في أفضل حالاته مقارنة بما آل إليه خلال الفترة التي تولوا فيها أمره.
وأضاف أنه لو كانت هذه اللجنة صادقة وحريصة على مستقبل التعليم في البلاد، لما عارضت كل إصلاح، وكان الأولى بها أن تدين منذ البداية ممارسات قوات الدعم السريع، وأن توضح للناس خطورة ما تقوم به هذه المليشيا من حرمان الطلاب من الدراسة وأداء الامتحانات، وأن تبين خطورة هذه الفئة الباغية. كما دعاها إلى تقديم أوراق علمية ورؤى واضحة لإصلاح التعليم، بدلا عما وصفه بالجعجعة وإبراز العضلات ومعارضة كل إصلاح.
وأضاف: “ليت هذه اللجنة جلست مع المعلمين وطرحت برامجها بوضوح، واستقطبتهم عبر طرح جيد ومقنع، ودخلت منافسة شريفة وحميمة مع زملائهم المعلمين، لكنها آثرت العنتريات واستمرأت صمت الحق”. وختم بالقول: “دعيني من مقترح كيان لا يمثل إلا نفسه”.