
بقلم : حاتم أيوب أبو الحسن
يبدو أن السلام في السودان كائن مستقل، يتحرك وحده، لا ينتظر تفاوضًا، ولا يعترف ببيانات الشجب، ولا يحتاج إلى شرعية تُوقّع له على الوجود. هو فقط يظهر على الأرض، بهدوء مريب، بينما يتسابق الفاعلون على إنكار رؤيته. إعادة تموضع عسكري محسوب، مطار الخرطوم يعود للخدمة، مرافق تُفتح، وزارات خدمية واقتصادية تُستكمل لدى الطرف الآخر، وكأن الدولة تُعاد صياغتها في وضع الطيران الصامت حتى لا تلتقطها رادارات الخطاب السياسي.
الحرب، في هذه النسخة المحدّثة، لم تنتهِ، لكنها تعلّمت الأدب. لم تعد تصرخ، بل تهمس. تغيّر جلدها من مواجهة فجة إلى إدارة ناعمة للصراع، أقل كلفة، أكثر قبولًا دوليًا، وأسهل في الترويج على أنها “تقدّم”. الأطراف المتحاربة لم تغادر المشهد، بل أعادت ترتيب مواقعها، استعدادًا لدور سياسي قادم، تمامًا كما يفعل الممثلون المحترفون حين يغيّرون الإضاءة لا النص.
أما تشغيل مطار الخرطوم وعودة بعض المرافق، فليس انفراجًا خالصًا كما يُراد له أن يبدو. هو إعلان غير معلن بأن هناك دولة تعمل دون أن تعترف بنفسها، وسلطة تمارس مهامها دون أن تجرؤ على تسمية ما تفعله. الواقع يُطبّع خطوة خطوة، حتى يصبح الاعتراض لاحقًا تصرّفًا رومانسيًا لا يصلح إلا للحنين.
إنكار الأطراف لما يجري يصل حدّ الكوميديا السياسية السوداء. هل هو تضليل محسوب لمجتمع تعوّد على سماع نصف الحقيقة؟ أم خضوع أنيق لضغوط دولية وإقليمية، مع إصرار لفظي على الاستقلال؟ أم مناورة ذكية: تمرير المرحلة بصمت، ثم الظهور لاحقًا وكأنها كانت خيارًا وطنيًا منذ البداية؟ في كل الحالات، المواطن خارج غرفة التحكم، يُطلب منه فقط أن يثق… ثم يصمت.
وتأتي إشادة المبعوث الأمريكي بولس في العلن لتكمل المشهد. فالإشادة هنا ليست قصيدة مديح، بل ختم اعتماد. ما يحدث على الأرض جيد بما يكفي ليُترك ليستمر. أما التفاصيل، فيمكن تأجيل شرحها إلى وقت لاحق، فالتجربة تقول إن الشعوب تتأقلم أسرع مما يُظن.
المشهد الأوضح أن السودانيين ما زالوا يتلقّون ملامح مستقبلهم من الخارج، لا من قوى تدّعي الشرعية وتمثيل الدولة. شرعية تكتشف الواقع بعد تنفيذه، وتعلّق عليه بلغة حذرة، أقرب إلى الاعتذار غير المعلن. دولة تُدار بالإنكار، ثم تتساءل لماذا لا يثق بها مواطنوها.
ما يجري ليس سلامًا وطنيًا بقدر ما هو ترتيب دولي أنيق للاستقرار: إيقاف للضجيج، لا علاج للألم. الفرق كبير بين سلام يُصنع بإرادة أهله، وسلام “يمرّ من فوق رؤوسهم”. وفي هذه الأثناء، يواصل السلام الذي لم يستأذن أحدًا يقدمه، بينما ينتظر السودانيون، كعادتهم، أن يُخبروا لاحقًا بما تقرر عنهم سلفا.