حين تتقاتل البنادق ويصمت المدنيون 

حيدر المكاشفي

بقلم : حيدر المكاشفي 

هل توحّد القوى المدنية حول برنامج حد أدنى ممكن ومفيد الآن؟ ولماذا؟

ما القضايا التي يجب أن تكون جزءًا من برنامج الحد الأدنى؟ وما الذي يُؤجَّل؟

ما الذي يمنع الثقة في أي مبادرة توحيد مدني الآن؟

ما الذي يمكن أن يجعل برنامج الحد الأدنى مقبولًا شخصيًا؟

تلك هي الاسئلة الأربعة التي حواها الإستطلاع الذي طرحته الدكتورة ناهد محمد الحسن للعامة، وننتهز هذه السانحة لتحيتها والترحيب بعودتها لرفد الساحة بمقالاتها المتميزة العميقة وطرحها الموضوعي والعقلاني، ونحاول هنا الإجابة على الأسئلة الأربعة لأهميتها..وبدءاً نقول لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت القوى المدنية السودانية على حق، ولا ما إذا كانت تملك الشرعية الأخلاقية أو التاريخية، بل سؤال أكثر قسوة وبساطة، هل تستطيع أن تتوحد قبل أن يحسم مستقبل البلاد نهائياً خارجها، فالحرب التي إندلعت لم تكتفِ بتدمير المدن وتشريد الملايين، بل أعادت تعريف ميزان القوة نفسه، حيث أصبح الصوت الأعلى هو صوت السلاح، وأصبح الغياب الأكبر هو غياب المركز المدني الموحد القادر على التأثير. في مثل هذه اللحظات لا تقاس قوة الفاعلين بما يملكونه من خطابات، بل بما يستطيعون بناءه من جبهات مشتركة. غير أن القوى المدنية السودانية، التي قادت الحلم بالتغيير ذات يوم، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي، إما أن تتجاوز إنقساماتها وتلتقي حول برنامج حد أدنى يعيد لها دورها في تقرير مصير البلاد، أو أن تواصل التشرذم، فتترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين لرسم مستقبل السودان دونها. ليست هذه دعوة مثالية للوحدة، ولا تجاهلاً للخلافات الحقيقية بين المكونات المدنية، بل إدراك لحقيقة أن اللحظات الاستثنائية تتطلب استجابات استثنائية. فالتاريخ لا ينتظر حتى تتفق القوى السياسية على كل شيء، لكنه يمنحها أحياناً فرصة نادرة للاتفاق على ما يكفي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. والسؤال الآن ليس من هو الأحق بالقيادة، بل ما إذا كانت هناك إرادة جماعية كافية لمنع غياب المدنيين الكامل عن لحظة تقرير مستقبل السودان. ففي لحظة تاريخية كالتي يعيشها السودان الآن، لا تبدو أزمة القوى المدنية مجرد خلاف سياسي عابر، بل أزمة وجود سياسي وأخلاقي في آن واحد. فالحرب لم تدمّر المدن فقط، بل كشفت أيضاً هشاشة البنية المدنية التي عجزت حتى الآن، عن إنتاج مركز سياسي موحّد يعبر عن مصالح ملايين المدنيين العالقين بين فكي العنف العسكري والانهيار المؤسسي. هنا يبرز السؤال الجوهري، هل يمكن توحيد القوى المدنية حول برنامج حد أدنى، وإن كان ممكناً، فما الذي يمنع ذلك، وما الذي قد يجعله مقبولاً وفاعلاً، أولاً هل توحيد القوى المدنية حول برنامج حد أدنى ممكن ومفيد الآن؟ من حيث المبدأ نقول نعم هو ممكن بل وضروري. لكن من حيث الواقع السياسي فهو ليس سهلاً ولا مضموناً. المنطق السياسي يقول إن برامج الحد الأدنى تصاغ في لحظات الانهيار الوطني، لا في لحظات الاستقرار. فهي ليست برامج مثالية، بل برامج إنقاذ. والتاريخ السياسي يُظهر أن القوى المدنية لا تتوحد حول رؤى كبرى بقدر ما تتوحد حول مخاطر كبرى. والسودان اليوم يواجه خطراً وجودياً يتمثل في تفكك الدولة نفسها. لكن المشكلة ليست في غياب الحاجة إلى برنامج حد أدنى، بل في غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات متبادلة. فقد ظلت القوى المدنية السودانية، منذ سقوط نظام البشير، أسيرة صراعات الشرعية والتمثيل، أكثر من انشغالها ببناء مشروع وطني جامع. وأدى ذلك إلى تفتيت المعسكر المدني إلى كتل متنافسة، كل منها تدّعي امتلاك التفويض الأخلاقي أو الثوري. ومع ذلك، فإن استمرار هذا التشرذم يعني ببساطة خروج المدنيين بالكامل من معادلة التأثير، وترك مستقبل البلاد رهينة للقوة المسلحة وحدها. لذلك فإن برنامج الحد الأدنى ليس مجرد خيار سياسي، بل شرط للبقاء السياسي للقوى المدنية نفسها. ثانياً: ما القضايا التي يجب أن يتضمنها برنامج الحد الأدنى؟ وما الذي يجب تأجيله؟ برنامج الحد الأدنى بطبيعته ليس برنامجاً أيديولوجياً، بل برنامج استقرار. ولذلك يجب أن يركز على القضايا التي تمنع انهيار الدولة، لا القضايا التي تعكس الانقسامات الفكرية. ويمكن هنا تحديد أربع أولويات أساسية، اولها وقف الحرب واستعادة المسار المدني. هذه هي القضية المركزية التي يجب أن تتقدم على كل ما عداها. فلا معنى لأي برنامج سياسي في ظل استمرار الحرب. يجب أن يتضمن البرنامج موقفاً واضحاً ضد الحرب، وضد شرعنة الحكم العسكري، وضد تحويل البلاد إلى مناطق نفوذ مسلحة. ثانيها استعادة مؤسسات الدولة المدنية، فليس الهدف مجرد إنهاء الحرب، بل إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية ومهنية، بعيداً عن السيطرة العسكرية أو الحزبية الضيقة، وثالث الاولويات هو معالجة الأزمة الإنسانية والاقتصادية. فالملايين نزحوا وفقدوا مصادر رزقهم. لذلك يجب أن يتضمن البرنامج رؤية عاجلة لإعادة الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل الاقتصاد، وضمان وصول المساعدات. ورابع الاولويات وآخرها هو إطلاق عملية سياسية تأسيسية شاملة، ليس بهدف اقتسام السلطة، بل بهدف إعادة تأسيس الدولة على عقد اجتماعي جديد. في المقابل هناك قضايا يجب تأجيلها، ليس لأنها غير مهمة، بل لأنها خلافية بطبيعتها، مثل شكل النظام الفيدرالي النهائي، أو القضايا الأيديولوجية، أو إعادة هيكلة الأحزاب. هذه القضايا يجب أن تُترك لمرحلة لاحقة، عندما تكون الدولة نفسها قد استعادت الحد الأدنى من الاستقرار. ثالثاً: لماذا تنعدم الثقة في أي مبادرة توحيد مدني الآن؟ الواقع ان أزمة الثقة هي أكبر عقبة أمام أي مشروع توحيد. وهذه الأزمة ليست نفسية بل سياسية ولها أسباب موضوعية. أول هذه الأسباب هو الإرث القريب من الانقسامات. فقد شهدت السنوات الماضية تحالفات ومواثيق عديدة انهارت بسرعة، مما خلق انطباعاً عاماً بأن التحالفات المدنية هشة وغير موثوقة. ثانيها هو ارتباط بعض القوى المدنية أو اتهامها بالارتباط بأطراف عسكرية أو إقليمية. سواء كان ذلك صحيحاً أو مبالغاً فيه، فإنه أضعف صورتها كقوى مستقلة. ثالثها هو غياب المراجعة النقدية. لم تقم معظم القوى المدنية بمراجعة جادة لأخطائها السابقة، خاصة تلك التي ارتكبت خلال الفترة الانتقالية، عندما كانت جزءاً من السلطة. رابعها هو صراع القيادة والتمثيل. فكل كتلة مدنية ترى نفسها مركز الشرعية، وترفض أن تكون جزءاً من تحالف لا تهيمن عليه. كل ذلك خلق بيئة سياسية يسودها الشك المتبادل، حيث يُنظر إلى أي مبادرة توحيد باعتبارها محاولة لإعادة توزيع النفوذ، لا لإنقاذ البلاد. رابعاً: ما الذي يمكن أن يجعل برنامج الحد الأدنى مقبولاً وفاعلاً؟ لكي يكون برنامج الحد الأدنى مقبولاً، يجب أن تتوفر فيه بعض الشروط الأساسية، منها الوضوح الأخلاقي والسياسي. إذ يجب أن يكون البرنامج واضحاً في انحيازه الكامل للمدنية، وضد الحرب وضد أي شكل من أشكال الحكم العسكري الدائم. ومنها الواقعية، لا المثالية. حيث يجب أن يكون البرنامج قابلاً للتنفيذ، لا مجرد بيان نوايا. الناس فقدوا الثقة في الشعارات، ويريدون رؤية خطوات عملية. ومنها القيادة الجماعية لا الفردية. فأحد أسباب فشل التجارب السابقة هو تركيزها حول شخصيات أو مجموعات ضيقة. البرنامج الناجح يجب أن يكون ملكاً لجبهة واسعة، لا لمنصة محددة. لكن الأهم من ذلك كله، هو أن تدرك القوى المدنية حقيقة قاسية هي ان الزمن لم يعد في صالحها. فكل يوم يمر دون توحيد الصف المدني، يعزز منطق القوة المسلحة، ويضعف إمكانية العودة إلى مسار مدني ديمقراطي. وبكلمة واحدة نقول ان الوحدة قد لا تكون خياراً مثاليا ولكنها في كل الاحوال تبقى ضرورة وجودية، والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان برنامج الحد الأدنى ممكناً، بل ما إذا كانت القوى المدنية مستعدة لدفع ثمنه السياسي. لأن أي وحدة حقيقية تتطلب تنازلات، والتخلي عن أوهام التفوق الأخلاقي أو التنظيمي. فالتاريخ لا ينتظر المترددين. وإذا لم تنجح القوى المدنية في توحيد نفسها الآن، فقد تجد نفسها خارج معادلة المستقبل تماماً، لا لأنها هُزمت، بل لأنها عجزت عن التوحد عندما كان ذلك ممكناً. وفي لحظات كهذه، لا يكون برنامج الحد الأدنى مجرد وثيقة سياسية، بل اختباراً للقدرة على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية. والسؤال الذي سيحكم على الجميع لاحقاً ليس هو من كان الأكثر صواباً، بل من كان الأكثر استعداداً لإنقاذ البلاد..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى