
بقلم : محمد عمر شمينا
كما أشرنا سابقاً في مقالنا الأول (سؤال بلا مجيب) من يمثل السودان في لحظته الأكثر قسوة الصادر بتاريخ 29 نوفمبر 2025، يظل السؤال عن القوى الوطنية ومن يتحمل المسؤولية في لحظة الانهيار، وربما أصبح أكثر إلحاحاً اليوم. إذا كان المقال الأول قد ركّز على هشاشة الخطاب الوطني وتراجع القدرة على الفعل، فإن المرحلة الراهنة تقدم درساً إضافياً،الحلول الكبرى لا يمكن أن تأتي من الخارج، ولا يمكن تفويضها لأحد خارج حدود السودان.
الخارج، مهما بدا داعماً أو وسيطاً، لا يمكنه إعادة بناء الثقة بين الناس، ولا خلق توافق حول قواعد الدولة، ولا معالجة جذور المشكلات التي أنتجها الواقع الداخلي المعقد. التدخلات الخارجية غالباً ما تكون أدوات لإدارة الأزمة لا لإنتاج حل دائم، وما يُقدّم بوصفه مساعدة أو وساطة، إذا غابت الإرادة المحلية، يصبح مجرد تأجيل للانفجار.
التاريخ القريب يعلمنا أن أي اتفاق أو ضغط دولي لم يصمد حين غابت الإرادة الداخلية، وحين لم يكن هناك استعداد لتحمل كلفة القرارات الصعبة.
الدولة ليست ملفاً فنياً يُدار من عواصم بعيدة، بل مشروع اجتماعي وسياسي يتطلب رؤية مشتركة، تضحية، وقرارات يتحملها أصحابها. ما تقدمه الوساطة أو الدعم الخارجي يبقى ناقصاً ما لم يقترن بقدرة داخلية على الفعل، كما يوضح الواقع اليوم في مختلف مؤسسات الدولة الهشة وفي مناطق لم تتوقف فيها الأزمات اليومية عن اختبار القدرة على الصمود.
في هذا السياق، يرتبط سؤال التمثيل الوطني الذي طرحناه سابقاً بسؤال جديد،من سيأخذ على عاتقه مسؤولية الحل الواقعي؟ والإجابة واضحة ضمنياً.
لن يأتي الحل من الخارج، ولن يُمنح، بل يُصنع داخلياً من خلال إرادة السودانيين أنفسهم، ومن خلال من يعي حجم التحدي ومستعد لتحمل كلفته.
الحقيقة التي يفرضها الواقع هي أن السودان يمتلك قوى وطنية، وإن كانت صغيرة أو مشتتة، تستطيع أن تُحدث فرقاً إذا توفرت لها الإرادة والوضوح في الرؤية. هذه القوى ليست بالضرورة أطرافاً سياسية تقليدية، لكنها مجموعات وكيانات تعمل على الأرض، تحافظ على الحد الأدنى من النظام، وتثبت أن الدولة ليست مجرد شعار، بل ممارسة مستمرة ومسؤولية يومية.
أحد أبرز الدروس أن أي محاولة لإحلال حلول خارجية دون الاستناد إلى هذه القوى المحلية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الارتباك. القوى الداخلية، وإن كانت محدودة الموارد، تمتلك ميزة لا يمتلكها الخارج وهى عدم فهم الواقع السوداني، القدرة على التحرك ضمن تعقيداته، والالتزام بالمصلحة الوطنية على المدى الطويل. الخارج يمكن أن يراقب، يمكن أن يضغط، يمكن أن يموّل، لكنه لا يمكن أن يتحمل كلفة القرارات المصيرية التي يجب أن تتخذ داخل المجتمع.
هذا الواقع يجعل من الاعتماد على الخارج في أزمة سودانية خالصة ليس مجرد خيار خاطئ، بل وهم يبعد التركيز عن الأولويات الحقيقية. الأولوية هي بناء قدرة داخلية على الفعل، وتشكيل نواة من القوى المتماسكة القادرة على وضع خطة واضحة لحماية المدنيين، وإدارة الخدمات الأساسية، وإطلاق مسارات إصلاح المؤسسات، كل ذلك قبل أي حديث عن التفاوض أو الوساطة الدولية.
الاعتماد على الخارج في كثير من الأحيان يحجب الحقيقة عن الفاعلين المحليين، وهي أن الحلول لا تُستعار، بل تُنتَج من الداخل، وأن أي تأجيل لتحمل المسؤولية الداخلية يضاعف تكلفة الأزمة، ويُرجئ لحظة الإصلاح.
الوطنية في هذه اللحظة ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية، وتحمل كلفة القرار الصعب، والاستمرار في إدارة ما يمكن إنقاذه رغم الظروف المعقدة.
التمثيل الحقيقي في هذه المرحلة لا يُقاس بمنصة أو بيان، بل بما ينجزه الفعل من استقرار جزئي، وبما يحافظ على أمل الدولة والوطن حتى تصبح لحظات السياسة الكاملة ممكنة.
من ينجح في هذه المهمة ليس بالضرورة من يملك رؤية كاملة للمستقبل، بل من يحافظ على الحد الأدنى من النظام والوظيفة اليومية للدولة، ويحول الفوضى إلى مسار، والضجيج إلى ترتيب، والانهيار إلى فرصة لإعادة التأسيس.
هذا النهج يضع على القوى الوطنية مسؤولية مضاعفة ليس فقط المحافظة على ما تبقى من الدولة، بل أيضاً خلق أرضية تسمح بالتحرك السياسي لاحقاً، وإعادة بناء الثقة بين الناس، وإنتاج خطاب وطني قائم على الواقع، لا على مجرد الشعارات. هنا يظهر الفرق بين من يدير الأزمة لمجرد البقاء، ومن يخطط لإعادة تأسيس الدولة تدريجياً، خطوة خطوة، دون انتظار ضامن خارجي.
من هنا، يمكن القول إن السودان يحتاج اليوم إلى تمثيل وظيفي أكثر من كونه رمزي. التمثيل الحقيقي مرتبط بما يفعله الداخل في الواقع، وليس بما يقال في البيانات أو ما يُعلن عن الوساطات الدولية. القدرة على المبادرة، وخلق توافق جزئي، وإدارة الموارد المتاحة بحكمة، هي عناصر التمثيل الواقعي الذي يهم الناس فعلاً. الخارج قد يساعد في بعض التفاصيل، لكنه ليس صانعاً للحلول الأساسية.
السودان لا ينقصه المبادرات الخارجية، بل ينقصه لحظة إدراك داخلي بأن لا أحد سيبني الدولة نيابة عن أهلها، وأن الطريق مهما كان صعباً لا يمكن شقه إلا من الداخل إلى الداخل. القوى المحلية، حين تدرك هذا، تصبح قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة، على الأقل للحفاظ على الدولة، وعلى بناء قواعد لإعادة التأسيس مستقبلاً.
إن السؤال القديم (من يمثل السودان؟) لا يزال مفتوحاً، لكن الإجابة العملية اليوم تأخذ شكلاً واضحاً من يملك الإرادة للعمل، ومن يستطيع الصمود ضمن المعطيات الواقعية، ومن يضع مصلحة البلاد فوق أي حسابات أخرى. الخارج قد يسهم، لكنه لن يكون البطل، ولن يحل ما يجب أن يحله السودانيون بأنفسهم.
وفي نهاية المطاف، الدرس واضح السودان لن يُنقذ إلا بأيدٍ سودانية، ولن تتغير قواعد اللعبة إلا حين تدرك القوى الوطنية حجم التحدي، وتتخذ الموقف الذي يلزم لإنقاذ الدولة والمجتمع.
هذه الإرادة الداخلية هي الشرط الأول لأي أفق جديد يمكن أن يُؤمل به فعلاً في المستقبل، وأي حديث عن الحلول بدونها يظل مجرد حلم بلا أرضية.