
عثمان يوسف خليل
مقدمة:
منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض ظل التعليم هو السلاح الأسمى لبناء الحضارات وتنمية الأمم. فما من دولة نهضت من تحت ركام الفقر والحروب إلا وجعلت من المدرسة منارة ومن القلم درعًا وسيفًا. والسودان، وهو يواجه اليوم أزمات متشابكة من نزاعات وانقسامات وتدهور اقتصادي، يقف أمام سؤال جوهري: كيف نجعل التعليم السلاح الأمثل لإعادة البناء والتنمية؟ ومن أين يجب أن نبدأ؟
العلم منارة التنمية والجهل عدوها:
“العلم ينير سماء الكون”؛ ليس مجرد بيت شعر، بل حقيقة جليّة أثبتها التاريخ. فالمجتمعات التي استثمرت في التعليم صنعت اقتصادًا متينًا، وأقامت مؤسسات عادلة، وأنتجت أجيالًا قادرة على الإبداع والتجديد. “العلم يرفع بيتًا لا عماد له”؛ يرفع الإنسان من الفقر إلى الكرامة، ومن العجز إلى الإنتاج.
وعلى النقيض، فإن “الجهل يهدم بيت العز والشرف”. بالجهل تتفشى الأمراض، وتنتشر العصبيات، ويُستباح العقل، ويصبح المجتمع هشًّا أمام أي أزمة. الجهل لا يسرق فقط حاضرنا بل يسرق مستقبل أطفالنا أيضًا، ويجعلنا نعيش أسرى دائرة مفرغة من العوز والحرمان.
السودان على مفترق طرق: الحرب على الجهل لا على المواطن الغلبان..
يعيش التعليم في السودان أزمات متلاحقة: مدارس بلا مقاعد أو كتب، بنية تحتية متهالكة، مناهج جامدة، ومعلمون يتركون الساحة بسبب ضعف الأجور أو هجرة العقول. يضاف إلى ذلك أثر النزاعات التي شردت آلاف الأطفال وحرمتهم من حقهم في مقاعد الدراسة.
وسط هذه الصورة القاتمة، يجب أن ندرك أن الحرب الحقيقية ليست على “المواطن الغلبان” الذي وجد نفسه ضحية الفقر وقلة التعليم، بل على الجهل الذي كبّله. الفقير ليس عدوًا، بل هو الوقود الذي يجب أن نرفده بالعلم ليصبح جزءًا من الحل لا أسيرًا للمشكلة.
من أين نبدأ؟
إذا كانت النهضة تبدأ من الإنسان، فإن بناء الإنسان يبدأ من الطفولة. هنا تكمن نقطة التحول الكبرى:
- الطفولة المبكرة: الاستثمار في مرحلة ما قبل المدرسة والتعليم الأساسي هو حجر الأساس. فالعقل الذي يُبنى في السنوات الأولى هو أكثر استجابة للتعلّم، وأقدر على الإبداع لاحقًا.
- محو أمية الكبار: لا يكفي أن نؤمّن التعليم للأجيال الجديدة فقط، بل يجب أن نعالج تراكمات الماضي. محو الأمية يفتح أبوابًا جديدة للكبار ليشاركوا في التنمية، ويكسر سلسلة التهميش.
- تغيير الثقافة المجتمعية: علينا أن نصنع قيمة جديدة للتعليم. أن يكون “القلم مكان البندقية” في العقل الجمعي. الإعلام والفن والقدوة المجتمعية يجب أن تعيد الاعتبار للعلم، ليصبح النجاح مرتبطًا بالشهادة والمهارة لا بالسلاح ولا بالولاء الأعمى.
- إصلاح المناهج: من الضروري أن تخرج من دائرة التلقين والحفظ لتدخل فضاء المهارات الحياتية والتفكير النقدي، وغرس قيم المواطنة والعيش المشترك. عندها فقط سنصنع جيلًا يعرف كيف يبني لا كيف يهدم.
خاتمة:
إن معركة السودان الحقيقية ليست معركة سلاح ولا معركة موارد، بل معركة تعليم ومعرفة. النصر فيها يبدأ من الفصل الدراسي ومن الطفل الذي يتعلم أن يكتب اسمه ويفكر بحرية. رهان السودان يجب أن يكون على الإنسان السوداني، من طفولته وحتى شبابه، لأنه هو وحده القادر على إعادة بناء ما تهدّم. وقديماً قال الشاعر:
العِلمُ يرفع بيتاً لا عماد له
والجهل يهزم بيت العز والشرف
ولعلنا نختم كما بدأنا: “العلم ينير سماء الكون”، فلنجعل نور العلم يبدّد ظلام الجهل، ولنجعل من القلم منارة وطن ينهض من جديد.