
أفق جديد
ينتظر مئات النازحين في ولاية كسلا شرقي السودان مصيرًا مجهولًا، في أعقاب إعلان حكومة الولاية عزمها تفريغ مخيمات النزوح بحجة انتفاء أسبابها، وتحويل مشروعات المنظمات من الطابع الإغاثي إلى التنموي.
ويواجه السودان خلال عام 2026 واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية عالميًا، في ظل تفاقم أزمة الغذاء وسوء التغذية، واستمرار الصراع المسلح، واتساع رقعة النزوح، إلى جانب قيود واسعة تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، وفق تحذيرات أممية.
وتقول النازحة آمال الطريفي: “ليس أمامنا خيار سوى اللجوء إلى منازل أقاربنا أو أصدقائنا. القرار كان مفاجئًا ولم نتوقعه في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها حاليًا”.
وأضافت، في حديثها لـ”أفق جديد”، أن السلطات لم تبذل أي محاولة لتوفيق أوضاع النازحين، مشيرة إلى أن خيارها الوحيد كان تفريغ المخيمات، رغم أن أعدادًا كبيرة من النازحين لا تستطيع العودة إلى مناطقها في الوقت الحالي، لأن منازلها الأصلية ما زالت مدمرة.
من جهته، أوضح المواطن الهادي عبد الجبار أن قرار الإخلاء جاء مفاجئًا، خاصة أن المخيمات تضم عائلات تشمل نساءً وكبار سن وأطفالًا ومرضى.
وأشار عبد الجبار، في حديثه لـ”أفق جديد”، إلى أن ولاية كسلا قررت إخلاء معسكرات النازحين بدعوى انتفاء أسباب النزوح، مضيفًا: “لكن ظروفنا صعبة ولا نعرف إلى أين نتجه في الوقت الراهن”.
وفي إجتماع مع المنظمات الأجنبية والوطنية بمقر أمانة حكومة الولاية، أعلن مفوض العون الإنساني إدريس علي أن حكومة الولاية قررت إخلاء معسكر الكرامة غرب المطار في العاشر من فبراير الجاري، لانتفاء أسباب النزوح، وتحويل جميع مشروعات المنظمات من مشاريع إغاثية إلى تنموية.
وكشف المفوض عن خطة لإخلاء المعسكرات على مراحل، تبدأ بمعسكر غرب المطار، يليه معسكر خشم القربة، ثم معسكر مصنع البصل “الكرامة (2)”، مشيرًا إلى وجود ترتيبات خاصة لذوي الحالات الخاصة ونقلهم إلى مواقع بديلة.
وقال إن النازحين الذين لا يرغبون في العودة ويريدون البقاء في كسلا، لهم الحق كمواطنين سودانيين في المطالبة بقطعة أرض سكنية أو السكن بالإيجار.
وأفاد ناشطون في ولاية كسلا، في حديثهم لـ”أفق جديد”، بأن ما يحدث في مخيمات النزوح بالولاية يتجاوز توصيف الأزمة الإنسانية، ويتحول إلى مأساة غير مسبوقة وانهيار شامل في مقومات الحياة.
وبحسب النشطاء، فإن النساء والأطفال وكبار السن يدفعون الثمن الأكبر جراء تفريغ المخيمات، في وقت تُغلق فيه الطرق أمام المساعدات الإنسانية.
ووفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، بلغ عدد النازحين في ولاية كسلا خلال شهر نوفمبر الماضي 56,390 نازحًا، بانخفاض قدره 9%، نتيجة عودة بعض النازحين إلى ولايتي الخرطوم والجزيرة.
ودعا مفوض العون الإنساني بولاية كسلا المنظمات إلى المشاركة في برنامج العودة، واستكمال أدوارها تجاه النازحين منذ اندلاع الحرب.
وشهد الاجتماع التشاور حول ترتيبات العودة الطوعية للنازحين، ومساهمة المنظمات الأجنبية والوطنية في توفير وسائل الحركة من حافلات وشاحنات، إضافة إلى تقديم سلال غذائية للأسر العائدة.
وكان مفوض العون الإنساني قد أعلن في تصريحات سابقة عزم السلطات إخلاء المعسكرات قبل حلول شهر رمضان، باستثناء النازحين القادمين من إقليم دارفور.
وأشار إلى أن الولاية لم يتبق فيها حاليًا سوى ثلاثة مراكز إيواء، من أصل 309 مراكز في جميع المحليات عدا منطقة “تلكوك”، موضحًا أن كسلا كانت تؤوي نحو 148 ألف أسرة منذ أبريل 2023، قبل أن يتراجع العدد نتيجة العودة الطوعية.
وفي سياق متصل، حذّرت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، التابعة للأمم المتحدة، من تدهور واسع في الأوضاع الإنسانية بالسودان، مشيرة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص، أي ما يقارب ثلثي السكان، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.
وأكدت المبادرة أن هذه الأرقام تعكس انهيارًا حادًا في مستويات الأمن الغذائي، وتضع السودان في صدارة الدول الأكثر تضررًا من الجوع وسوء التغذية عالميًا، استنادًا إلى تحليل أممي حديث يعتمد على بيانات ميدانية حتى 27 يناير 2026.
وبعد مرور أكثر من ألف يوم على الصراع، يواجه أكثر من 21 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع تأكيد حدوث مجاعة في أجزاء من البلاد، حيث حالت أشهر من القتال دون وصول عمال الإغاثة، واضطر نحو 12 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم. كما يعاني 3.7 مليون طفل، إضافة إلى الأمهات الحوامل والمرضعات، من سوء التغذية.
وذكر برنامج الأغذية العالمي، في بيان، أنه وصل إلى أكثر من 10 ملايين من النساء والرجال والأطفال الأكثر ضعفًا في السودان منذ اندلاع الصراع، وقدم لهم مساعدات غذائية ونقدية وتغذوية طارئة.
وأوضح البرنامج أن فرقه موجودة داخل السودان، ولديها القدرة على توسيع نطاق العمليات وإنقاذ المزيد من الأرواح، إلا أن نقص التمويل لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا، مع حاجة عاجلة إلى 700 مليون دولار لمواصلة العمليات حتى شهر يونيو المقبل.
وخلال الأشهر الستة الماضية، قدم البرنامج مساعدات منتظمة لنحو 1.8 مليون شخص في مناطق المجاعة أو المناطق المهددة بها، ما ساهم في الحد من الجوع في تسعة مواقع.
وتتفاقم المعاناة الإنسانية في السودان جراء الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، ونزوح أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.