يا رحمن..  نانسي عجاج بين الحيّة و التمساح


بقلم : السر السيد

يقول إبن الفارض:
فطهَّر فؤادك إن أردت شهوده
فأِن دخان النفس يعمي البصائر

*اشارة*:

ألفت الإنتباه إلى أن ما أكتبه في مجالات فن الغناء والموسيقى يأتي من موقع المتذوق لا أكثر.

*بين الأغنية والمدحة*

أغنية (يا رحمن)، كتب كلماتها الشاعر قاسم أبوزيد ولحنتها الفنانة الاستثنائية نانسي عجاج وغنتها مع مشاركة نوعية في الأداء للمغني والمادح أحمد النيل.

بالتأمل في الاغنية سنكتشف انها تتكئ على (مدحة التمساح الشهيرة)، للمادح السوداني الاشهر حاج الماحي ١٧٨٩-١٨٧١، وذلك أولا ً: أن الاغنية تبدأ بالمطلع الأول للمدحة، (يا رحمن
أرحم بي جودك
دل الغيث ينزل في بلودك)، وثانياً، لوجود حيوان قاتل وبامتياز مما يمثّل تهديداً للحياة ففي المدحة نجد (التمساح)، وفي الاغنية نجد (الحيّة)، مع فارق مهم هو ان التمساح كان وجوده حقيقياً فقد سكن الشايقية كما جاء في المدحة، بينما الحية جاءت كمجاز للتعبير عن الحرب أو بشكل أدق للتعبير عن السياسة، بما أنها صانعة للحرب فهو إذن مجاز أو ترميز بليغ للسياسة، فالحيّة كما السياسة تعيش بيننا، وتمتلك حيلاً كثيرة في التخفي والتمويه، بينما التمساح يعيش في مكان محدد و لا يمكن أن يوجد بكامل إرادته في غيره، فالحية/الحرب، كما يقول د صلاح الزين: (الحرب كائن احلالي يطرق الباب الموارب والآخر المسدود ولا ينتظر الإذن بالدخول…)،
-مداميك-“مقال “خيال الحرب “، وثالثاً، في المدحة كما في الاغنية نجد حضوراً للوطن “بلود/ بلد/ بلدي)، ورابعاً، تشترك الاغنية والمدحة مع فروقات محدودة في دعوة (الأولياء والصالحين) للوقوف سوياً دفاعاً عن الحياة وذلك بقتل التمساح كما في المدحة، وبقطع دابر الحية كما في الاغنية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة في المدحة والاغنية تأتي مشمولة بالإسم الإلهي (الرحمن) الذي يشكل اللازمة الاساس التي تتكرر وتظلل فضاء الأغنية والمدحة، لنكون في فضاء عام تصنعه الأغنية يتداخل فيه اليومي مع ما يتراءي غيبيا مما قد يطرح تساؤلا مشروعا مفاده، هل تجسّد الاغنية هروباً من اسئلة الواقع وتبحث عن اجابات لها في الغيبيات؟.

*في الاغنية*

يمكن القول أن الاغنية تتحرك في أسلوبين من الاداء للتعبير عن كلمات الاغنية يتداخل فيهما الواقعي، ومايتراءى “غيبيا”.. الواقع بتجلياته المتعددة التي حدثت وتحدث بفعل الحرب “الحية”، وما يتراءى غيبياً من خلال تكرار النداء “يا رحمن”، وحضور النداء “يا اهل الله”.

*الأسلوب الأول*

وقد جاء تحت مظلة المطلع الاول للمدحة، (يا رحمن)، ليبدأ بالمطلع الشعري:

( يا رحمن أجبر مكسورك
وليه العش يطرد زرزورك
يا بلدي العربي و رطني
الأفراح قطعاً حتزورك). وينتهي بالمقطع الشعري:

(بلد الخير المالي السهلا
الله بلاك بي أكبر جهلا
بي دعواتكم يا اهل الله
ايد الباطش.راح تنشلا).

في هذا الاسلوب من الاداء تبدّت لي الاغنية وكأنها تنهل من ارث المناحة السودانية، فعلي مستوي الاداء هيمن صوت المغنية وهذه سمة اساسية في المناحة فقد جري الارث ان -تؤدي المناحة النساء-، بينما خفت صوت الموسيقي نوعاً ما وتمت الاستعاضة عنها بصوت المغني الذي جاء وكأنه داعماً للمغنية كما أنه في بعض الأحيان جاء “تصويتا” خلوا من الكلمات مانحاً الاداء بعداً روحياً يقربه من المديح خاصة وانه يردد متلازمة (يا رحمن) وعلى ايقاع النَّوبة، وعلى مستوي الكلمات ومنذ المطلع الشعري الأول وحتى المطلع الشعري:

(بي دعواتكم يا اهل الله
ايد الباطش.راح تنشلا)،

جاء الاداء علي طريقة “العرضحال”، وهو يعدد كما في المناحة ما آل اليه الوضع بسبب الحرب والمتمثٍّل في مصادرة الحياة بكل ما تحمله كلمتي مصادرة، وحياة، من معان ومن دلالات، بدأً من انتهاك الاجساد، مروراً بافراغ الأمكنة، والتجويع، وفقدان السند والامان، في اداء بديع لتصوير للفقد، وللموت، فقد فر السحاب وحلّ البوار والجدب، فتمزقت أوصال التواصل حيث لا اقربون، ولا جيران، ولا حبايب، ولا ظل، ولا بواكي للقتلى والموتى، فقط تّبقى التوحش، والتيه، والغياب، والدم، والتنفس في الاختناق،
والحاكمين.

سنلحظ هنا ان هذا “العرضحال” المحكم والحاسم جاء في الاداء بلا تكرار للكلمات وهو يسرد شكواه وكأنه يشير الى ان ما حدث ويحدث من توحش هو من البشاعة بحيث يصعب سماعه أكثر من مرة فقد طال كل مقومات العيش المشترك، (البيت، والتاريخ، والذاكرة، والاخلاق، واللغة، بل وحتى الدين، وان النداءات التي تشبث بها، (يا رحمن ويا اهل الله، ويا المجدوب..يا ود الفارض)، لم تأت كهروب من الواقع الى الغيبيات، وانما جاءت لفضح ما حدث ويحدث حيث لا تاريخ بمعزل عن الغيب والغيبيات فالله ليس غائباً ليحضر ونداؤه وبهذا الاسم تحديداً فيه من اللطائف ما فيه فهو دال على أن الرحمة كامنة في بنية الوجود وليست فعلاً استثنائياً حتى وان غابت في هذه الحرب، و يشير كذلك إلى تناسق كوني رحماني بين التاريخ وما يتراءى غيبياً، فقد جاء في (سورة الرحمن)، وبتكرار بليغ: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، وهو سؤال موجه للمكلفين من الانس والجن، وجاء فيها ايضا: (والسماء رفعها ووضع الميزان “7” الّا تطغو في الميزان “8” واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان “9” والأرض وضعها للأنام “10”، والاشارة هنا هي ان، كل افساد في الارض، وإهلاك للحرث والنسل، لا يتحقق الا بانتهاك الآلاء وجحودها، وبالطغيان في الميزان وتغييب القسط، وهو ما جسدته الحرب الراهنة وبجدارة، ومن اللطائف ايضا جاء الاسم (الرحمن)، وكأنه يشتغل في الكشف عن طبيعة الدين الحاضر في الحرب، فقد وقفنا علي دين في الغالب الاعم يحتفي بأهلاك الحرث، والنسل، والإفساد في الارض، فالتكبير يملأ الفراغ، وآيات القرآن الكريم تبني خيمة ل”هندسة” التوحش لنكون في قبالة دين يُستهزأ به، ويُلعب به، حيث لا رحمة ولا التزام حتي بأحكام الاسلام في الحرب، بل نكون أمام نسيان لله نفسه، ولا تعسف هنا، فتاريخ التدين يشهد على الاستهزاء واللعب بالدين، وعلى نسيان الله، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا العمى في أكثر من موضع، كما أن الامام علي عليه السلام قد قال وفي ذات السياق: (اتَّخَذوا الدِّينَ دَخَلًا، والدُّنيا مَكْسَبًا).

إذن جاء إسم الرحمن ليؤكد: أنه لا دين بلا ميزان قسط.. لا دين بلا رحمة.. لا دين مع نسيان الله، أما نداء الصالحين والأولياء فقد جاء ليشير الي توسّمٍ في نمط آخر من المتدينين، ليس فقط بسبب ما يتوفر لبعضهم من خوارق كما في الذاكرة الشعبية، وانما لانهم موجودون على الدوام بين غمار الناس وفعّالون للخيرات وكاشفون للحُجُب، فهم الواقفون على حافة وجودية كونية ويومية.. العارفون لإله كتب على نفسه الرحمة، بل انهم من السنن الالهية الكونية، حيث لا يخلو الوجود من أولياء لله، (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ الأعراف181، كما جاء في القرآن الكريم.

تتجلى بلاغة الاغنية
بغمر فضائها بالاسم الإلهي الرحمن..الاسم الذي يسُدُّ ثقوب الطبيعة والتاريخ بالرحمة، وكيف لا؟ وهو الإسم الإلهي الذي يستنكره الطغاة في كل زمان ومكان ويستعجبونه، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ ۚ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا).
الفرقان 60، و يتجلى عمقها في عدم انشغالها كثيراً بالمتحاربين، وتركيزها على نتائج الحرب.. الحرب التي قامت على سردية شعارات براقة
ولكنها باضت تقتيلاً ممنهجاً واذلالاً عاماً للمستضعفين والمستضعفات استتبعه تضييع للآلاء “الموراد”، ونهب لها، ونذر لتقسيم البلاد على روافع اثنية، وأجندة إقليمية ودولية، و تفريط في السيادة، فقد رأينا الكل يهرول وبتهافت عظيم إلى ما يسمى بالمجتمع الدولي والاقليمي بحثاً عن الاعتراف والحل لحرب توصيفها الأدق إنها حرب تقع في دائرة الترتيب الامبريالي الكوني، وهو التوصيف الذي يتعامي عنه المهرولون، لا لعجز في المعرفة وانما لركون للمصالح الشخصية ولمصالح الاعداء.

*الاسلوب الثاني*

ويبدأ بالمقطع الشعري:
(يا رحمن… يا رب الأمة
أرحم. أغفر وزيل الغمة) وينتهي بالمقطع الشعري:

(لما تكون… الكلمة النية
حتبقى الثورة مدد صوفية).

وفيه سنلاحظ ان ثمة تحوّل في الاداء، فاذا كانت الصور الشعرية في الاسلوب الأول تحيل إلى الشكوى الفاضحة وهي تعدد ما حدث “عرضحال”، وان اداءها جاء اقرب الي المناحة كما اشرنا فأن الصور الشعرية في الاسلوب الثاني، تتعدي الشكوي، وتحيل الي احتجاج، يصنع تقابلا مضادا لما حدث.. يصنع مقاومة تشع من مشكاة الدعاء، ولعل هذا ما استدعي اجتراح تحولاً في الاداء يقربه من طرائق (التضرع)، فجاءت الموسيقي أكثر سطوعاً، وغاب صوت المؤدي المشارك تماماً، وملأ الوجود صوتاً واحداً مسنوداً بالتهليل هو صوت المغنية، لينهمر الدعاء كغيمة محلقاً بمفردات رحيمة تُشيِّد حقلاً دلالياً مقاوماً ينقض كل ما حدث انكاثاً، واصفاً له بالغمة ومستبدلاً لمفردات معجم الحرب من جوع، وتشريد، وفقدان للاحبة، وقسوة، وكراهية، وعنصرية، بمفردات رحمة، غفران، لمة، لقمة، فرج، فرح، جَمَّة، مطر، دفء، حِنيّة، خير، الخ، وكلها مفردات بأمكانها ان تبني الحياة الحرة، الرحيمة، الكريمة، ليُصبح الدعاء فعلًا حين يُمنع الفعل، ويصير احتجاجا حين يُقمع الصوت، كما يرى المفكر الايراني الشيعي علي شريعتي، فالخيارات التي تتراءي لنا غير واقعية في الكثير من اللحظات قد تُغيِّر التاريخ، و (الأفعال أو الامتناعات التي نراها صغيرة هي ما تصنع المستقبل)، كما جاء في مقال: “أفعال صغيرة تنهي الحرب وتحرس السلام” للدكتورة ناهد محمد الحسن، تجدونه في صفحتها في الفيس بوك.

*خاتمة*

ومع ظهور الاسم الله.. اسم الذات وتكراره تصاعديا في فضاء موسيقي مهيب، نمضي مع الاغنية في فيضها العرفاني ودفقها الروحي الكوني وهي تنادي الصالحين واهل الله وتحشدهم: (اقطعوا دابر ھذى…. الحية)، في اشارة الي قطع جذور الاسباب التي ادت وتؤدى الي هذه الحروب وهذه البشاعات، ثم تمنح وصيتها للدرويش:

(يا درويش ھاك منى وصية). وهنا اتساءل:
لماذا ذهبت الوصية للدرويش ولم تذهب للمقاتل او السياسي وهم صناع الحرب والمستفيدين منها؟؟
الاجابة ربما هي اننا نحتاج الي تجاوز القول اليومي الفج، والي كسر السائد، والي الرحمة والخيال، وكل هذا ينطق به الدرويش ويمشي به فهو وحده من يقف على الحافة الحرجة بين الواقع وما يتراءي غيبيا، جاعلا التغيير اشتغالا في الذات و في التاريخ.. اشتغالا يقوم علي روافع من الرحمة والتسامح والخيال، وسلامة القلب، بينما صناع الحرب من ساسة ومقاتلين غارقون في التفاهة، وحدود اليومي الضيقة.

شكرا الفنانة نانسي على هذا الالتزام الشقي بالفن الذي يرى وعلى الدوام ما هو ابعد. وشكرا الشاعر الجميل قاسم ابوزيد.
@⁨عادل سياسي⁩

Exit mobile version