حول قضية عضو مجلس السيادة وموظف الأراضي: بين القانون وأخلاقيات المنصب

بقلم: طارق فرح

قضية عضو مجلس السيادة وموظف قسم الأراضي بولاية الخرطوم التي شغلت الرأي العام خلال الأيام الماضية ليست مجرد خلاف إداري حول قطعة أرض، بل مثال واضح لنهج سلطوي يفتقر إلى آليات الضبط والمراقبة والمساءلة والشفافية واحترام القانون، حتى أصبحت أخبار الفساد المالي والإداري تُنشر بصورة راتبة بأقلام صحفيين موالين للسلطة وغيرهم، ناهيك عن أحاديث المجالس التي تطفح بمثل هذه الأخبار، وكما يُقال: “الخرطوم مدينة لا تعرف الأسرار”، وكذلك بورتسودان.

لا خلاف على حق أي مواطن أو مواطنة في المطالبة بالحصول على حقوقه التي يكفلها القانون، لكن حين يكون صاحب الطلب شاغلًا لمنصب رفيع، فإن المعيار يتجاوز القانون إلى الأخلاق العامة. وتبعًا لذلك، فإن دخول مسؤولة سيادية إلى مكتب موظف عام لمتابعة معاملة تخص أسرتها، ثم الغضب والانفعال في وجه الموظف لدرجة الخبط على طاولة المكتب، ليست واقعة بسيطة، بل هو تجاوز للمسافة الفاصلة بين المنصب والمصلحة الخاصة. المنصب العام ليس أداة ضغط لتحقيق مصلحة خاصة، حتى لو كانت مصلحة مشروعة.

المؤسف أكثر هو ما تلا الواقعة: إيقاف موظف الأراضي الذي تمسك بتنفيذ القانون واللوائح فيما يتصل بقطع الأراضي والأعيان المخصصة كوقف خيري. وبعد انتشار الخبر يتدخل رئيس الوزراء، بتوجيه من رئيس مجلس السيادة كما قيل، ويتم إلغاء الإجراءات ضد الموظف والاعتذار له، ويُعلن أن رئيس الوزراء بصدد عقد جلسة صلح بين الموظف وعضو مجلس السيادة التي لم تعتذر له ولا للرأي العام، لكي يُطوى ملف القضية دون تحقيق ولا محاسبة وكأن شيئًا لم يحدث!! مع العلم أن الاعتذار للموظف وإلغاء الإجراءات بحقه يؤكد ضمنيًا أن تجاوزًا قد وقع من المسؤولة السيادية، مما يستوجب التحقيق والمحاسبة وليس “قعدة جودية” برعاية رئيس الوزراء، الذي بشّر في أول خطاب له بعد تعيينه بالعدالة والمؤسسية وحكم القانون.

في تجارب حكم أخرى يحدث العكس. ففي السويد (1995) استقالت نائبة رئيس الوزراء بسبب استخدام بطاقة حكومية لتسديد قيمة مشتريات شخصية بمبلغ ضئيل جدًا، وفي ألمانيا (2011) استقال وزير الدفاع بسبب كشف مخالفات أكاديمية في أطروحته للدكتوراه التي نالها قبل توليه المنصب. أما في بريطانيا فقد ألزم تشرشل وزير العدل بالاعتذار لعامل نظافة – قبل أن يقبل استقالته – لأنه أهانه في لحظة انفعال وهو في موقع السلطة. وفي هذه الأمثلة الثلاثة لم يكن الأمر يتعلق بكفاءة صاحب المنصب الرفيع، وإنما باهتزاز ثقة الرأي العام في مصداقيته ونزاهته وسلوكه الإنساني والأخلاقي.

الطريقة التي تم التعامل بها مع قضية عضو مجلس السيادة وموظف الأراضي بولاية الخرطوم تؤكد أن القانون لا قيمة له عندما يتعلق الأمر بالنافذين. وما تعرض له موظف الأراضي المنضبط والمغلوب على أمره يؤكد أن الشعب السوداني، في ظل الواقع الحالي، ينطبق عليه المثل الشعبي الشهير: “الما عندو ضهر ينضرب على بطنو”.

نسأل الله أن يكتب لبلادنا الخلاص من أزمة الحرب وأهوالها وتأثيراتها على كافة المستويات، وأن يعم السلام والاستقرار، ويتوافق السودانيون على الحكم المدني الديمقراطي الرشيد وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.

Exit mobile version