في حقائبهما جراح وطن يبحث عن شفاء.. هديل وزينب “أيقونات” الصمود السوداني في أكسفورد

رحلة الطبيبة والمهندسة من غرف العمليات تحت القصف إلى منصات التغيير في أقوى جامعات العالم

نقلا عن موقع كلية “سومرفيل”

بينما تضع الحرب أوزارها الثقيلة على خارطة السودان، مخلفةً وراءها جراحاً لا تندمل في جسد الأمة، تبرز من قلب هذه العتمة قصة ملهمة لامرأتين قررتا ألا تكونا مجرد ضحيتين للأرقام والإحصائيات النازحة، بل منارات للعلم والتغيير في واحدة من أعرق قاعات المعرفة في العالم. في جامعة أكسفورد، وتحديداً داخل كلية “سومرفيل” التي فتحت أبوابها كملاذ آمن للعقول المبدعة عبر برنامج “سانكتشواري سكولارز”، تخوض الدكتورة هديل عبد السيد والمهندسة زينب محمد معركة من نوع آخر؛ معركة قوامها البحث العلمي والسياسات الصحية، تهدفان من خلالها إلى تطبيب جراح الوطن الذي يحملانه في حقائب سفرهما وأوراق دراستهما.

لقد كانت رحلة الدكتورة هديل عبد السيد من ساحات المستشفيات الميدانية في السودان إلى أروقة أكسفورد تجسيداً حياً للصمود البطولي، حيث لم تكن تمارس الطب في ظروف اعتيادية، بل كانت تصارع الموت تحت دوي الانفجارات وصوت إطلاق النار الذي لم يكن يفارق الأفق. تروي هديل كيف تحولت الهواتف الذكية في أيدي الأطباء النازحين إلى غرف عمليات افتراضية، حيث كانت بروتوكولات الطوارئ تُتبادل عبر الشاشات الصغيرة لمواجهة إصابات الرصاص المعقدة وحالات الصدمة التي لم يسبق لها مثيل في ظل انهيار تام للمنظومة التعليمية والطبية الرسمية. ومن خلال قيادتها لمركز التميز التابع لمنظمة “سودرو”، لم تكتفِ هديل بالعلاج السريري، بل ساهمت في بناء جسر معرفي دولي عبر برنامج “إيكو” للطوارئ، موفرةً التدريب لأكثر من ألفي كادر طبي في وقت كانت فيه المستشفيات تتحول إلى خطوط أمامية للمواجهة. ورغم الضغوط النفسية الهائلة التي واجهتها وتشخيصها باضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب نتيجة فقدان الاستقرار والمنزل، إلا أن إصرارها قادها للحصول على منحة كاملة لدراسة ماجستير الصحة الدولية والطب الاستوائي، لتتحول من طبيبة تضطر لارتداء أكياس القمامة لحماية نفسها أثناء العمل، إلى باحثة تسعى لإعادة صياغة العدالة الصحية العالمية، مؤمنةً بأن كل لحظة خوف عاشتها كانت ضريبة مستحقة للوصول إلى هذه البداية الجديدة التي ستمكنها من ترميم أنظمة الرعاية الصحية التي مزقتها الصراعات.

وعلى مقربة من طموح هديل، ترسم المهندسة الطبية الحيوية زينب محمد مساراً تكنولوجياً لا يقل أهمية، حيث تنطلق رؤيتها من إدراك عميق للخلل الهيكلي الذي يعاني منه نظام الرعاية الصحية السوداني حتى قبل اندلاع الحرب. لقد وقفت زينب في غرف المستشفيات المليئة بالأجهزة الطبية الفاخرة التي كلفت ملايين الدولارات، لتجدها مجرد جثث هامدة من الفولاذ بسبب الغبار والحرارة وعدم ملاءمتها للبيئة المحلية أو افتقارها للصيانة المستدامة. هذا المشهد المحبط ولد داخلها التزاماً أخلاقياً ومهنياً بضرورة ابتكار حلول تقنية نابعة من رحم الواقع، بدلاً من الاعتماد الكلي على استيراد تكنولوجيا صُممت لدول ذات بنية تحتية مستقرة ومناخات متحكم بها. ومن خلال دراستها للعلوم الصحية الانتقالية في أكسفورد، تبحث زينب اليوم في جذور فشل التقنيات الصحية في الدول ذات الموارد المحدودة، وتعمل على وضع خارطة طريق تضمن ربط البحث العلمي بالسياسات الحكومية والتصنيع المحلي. فهي لا ترى في تعطل الجهاز الطبي مجرد خسارة مالية، بل تراه فقداً مباشراً للأرواح، ولذلك تسعى بكل قوتها لتمكين المبتكرين والمهندسين السودانيين من تصميم أدوات مستدامة وقابلة للصيانة محلياً، لتضع بذلك حجر الأساس لمنظومة ابتكار وطنية لا ترتهن للخارج وتصمد أمام تقلبات المناخ والأزمات.

إن هذه الرحلة المشتركة لهديل وزينب، واللتين أصبحتا الآن زميلتين في السكن وصديقتين مقربتين في سومرفيل، تعكس الوجه المشرق للسودان الذي لا يستسلم رغم النزوح والشتات. إنهما يمثلان جيلاً من المهنيين الذين استطاعوا تطويع الأزمة وتحويلها إلى فرصة للتعلم والتطوير على أعلى المستويات الأكاديمية العالمية. تُدرك كل منهما أن مقعد الدراسة في أكسفورد هو أمانة وطنية بضرورة العودة يوماً ما لإعادة بناء ما دمره النزاع، مسلحتين بأحدث الخبرات الدولية الممزوجة بفهم عميق لواقع الأرض. وبينما يواصل السودان مخاضه العسير، تظل قصص هديل وزينب تذكيراً قوياً بأن العقول السودانية تظل تحمل وطنها في وجدانها أينما رحلت، وتعمل بصمت وصبر من أجل فجر جديد تكون فيه الصحة حقاً مكفولاً والابتكار سلاحاً للبناء والإعمار.

 

Exit mobile version