
أفق جديد
من قلب مطار إسطنبول الدولي، وتحديداً في زوايا منطقة “الترانزيت” الباردة، تُعاد صياغة قصة سينمائية شهيرة ولكن بواقع مرير يتجاوز خيال هوليوود. الشاب السوداني محمد مصطفى يجد نفسه اليوم بطلاً قسرياً لنسخة واقعية من فيلم (The Terminal) الشهير للنجم توم هانكس، حيث يقبع عالقاً في المطار منذ العشرين من يناير 2026، بلا أفق للحل وبلا قدرة على المضي قدماً أو العودة إلى الوراء.
وبحسب مقطع فيديو نشره الصحفي حسين علي، علي صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك للشاب محمد مصطفى والذي روي من خلاله ماساته والتي بدأت فصولها عندما انطلق محمد في رحلة نظامية تم حجزها عبر مكتب الخطوط الجوية التركية في كمبالا، متجهاً من أوغندا إلى ترينيداد وتوباغو عبر إسطنبول. استوفى الشاب كافة الشروط القانونية، من جواز سفر ساري المفعول وتأشيرات نظامية وشهادات تطعيم، وتم السماح له بالصعود للطائرة في كمبالا بعد فحص دقيق لوثائقه، مما أعطاه الضوء الأخضر بأن رحلته تمضي في مسارها الصحيح.
غير أن المشهد تغير تماماً فور وصوله إلى مطار إسطنبول، حيث اصطدم بقرار مفاجئ منعه من متابعة رحلته المحجوزة. ولم يكن المنع بسبب نقص في الأوراق أو مخالفة قانونية مرصودة، بل استند إلى ما وصفته السلطات بـ “تقديرات احترازية تتعلق بنوايا السفر”. هذا القرار لم يكتفِ بوقف رحلته، بل امتد لفرض حظر سفر عليه عبر الناقل لمدة عام، مع رفض دخوله المؤقت للأراضي التركية أو حتى استكمال إجراءات إعادته لجهة المغادرة بشكل يحفظ حقوقه.
وفي الرد الرسمي الصادر عن خدمة العملاء في الخطوط الجوية التركية، والذي حصلت “الجهات المعنية” على نسخة منه، أعربت الشركة عن أسفها لتجربة المسافر، لكنها بررت موقفها بعبارات فضفاضة تمنح “الناقل” سلطة مطلقة في منع السفر بناءً على تقديرات استباقية. وأشارت الشركة في رسالتها إلى أن هناك عوامل تدفعهم لمنع الركاب من السفر لتجنب مشاكل قد تحدث عند وصولهم إلى وجهاتهم النهائية، مثل احتمالية البقاء في تلك الدول لفترات أطول من المخطط لها أو غياب تأشيرات الترانزيت الضرورية. وأكدت الشركة أن لموظفيها الحق في “توصيف” الركاب وتقييم حالاتهم لتفادي أي تبعات سلبية أو رفض من سلطات الوجهات المقصودة، معتبرة أن هذا الإجراء يقع خارج نطاق سيطرتها المباشرة.
هذا الموقف القانوني الضبابي خلف خسائر مادية فادحة لمحمد تجاوزت 6000 دولار أمريكي، وسط رفض قاطع من الشركة للتعويض، بل ومطالبته بدفع 800 دولار إضافية لحجز تذكرة عودة إلى السودان، في وقت يطالب فيه الشاب بحقه الإنساني في مواصلة رحلته التي دفع قيمتها أو منحه دخولاً مؤقتاً لتركيا لإنهاء حالته العالقة.
إنسانياً، الوضع يزداد مأساوية يوماً بعد يوم، حيث تدهورت الحالة الصحية لمحمد نتيجة البقاء الطويل في منطقة الترانزيت منذ قرابة الشهر، مما استدعى نقله للمستشفى عبر الإسعاف قبل أن يعاد مرة أخرى إلى نفس النقطة الصفرية في المطار. ورغم تقديمه بلاغات رسمية لسلطة الطيران المدني التركي ، إلا أن صدى استغاثاته لم يجد رداً رسمياً حتى اللحظة.