السودان… العالم يريد إنهاء الحرب فهل يملك مفاتيحها؟


إبراهيم هباني
ليس صحيحاً أن العالم لا يريد إنهاء الحرب في السودان.
المؤشرات الدبلوماسية تقول العكس. الاجتماعات تتكاثر، المبادرات تُصاغ، الضغوط تتحرك، ومراكز القرار في واشنطن وأديس أبابا والرياض والقاهرة تناقش يومياً السيناريوهات الممكنة. لكن الفارق بين الإرادة والقدرة هو ما يصنع المأزق الحالي.
السودان اليوم ليس مجرد حرب أهلية تقليدية؛ بل انهيار تدريجي لدولة مفصلية جغرافياً وأمنياً. بلد يشكّل جسراً بين القرن الأفريقي والعالم العربي، ويطل على البحر الأحمر، ويتصل بسبع دول حدودياً. أي خلخلة فيه لا تبقى داخله.
السؤال الواقعي إذن ليس: هل يريد العالم السلام؟
بل: هل يملك أدوات فرضه؟
واشنطن… إرادة معلنة واختبار نفوذ
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر مستشاره للشؤون الأفريقية مسعد بولس، دفعت بمبادرة لوقف النار تمهيداً لمسار سياسي. الرسائل الصادرة من الخارجية الأميركية تتحدث عن إشراف مباشر ومتابعة حثيثة. هذا يعني أن الملف لم يعد هامشياً في أولويات البيت الأبيض.
واشنطن تملك ثلاث مفاتيح كبرى:
أولاً، العقوبات الاقتصادية الموسّعة التي لا تستهدف الأفراد فقط، بل منظومات التمويل وسلاسل الإمداد.
ثانياً، الشرعية السياسية الدولية، فلا انتقال ولا إعادة إعمار دون اعتراف أميركي وأوروبي.
ثالثاً، القدرة على تحريك مجلس الأمن نحو قرار مُلزِم بآلية رقابة واضحة.
لكن استخدام الأدوات شيء، واستخدامها بأقصى طاقتها شيء آخر. السؤال هو: هل تُدفع الكلفة السياسية لذلك؟
الرباعية… مركز الثقل الإقليمي
الرباعية (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) تملك نفوذاً مباشراً وغير مباشر في الملف السوداني. موقع مصر الحدودي، وثقل السعودية الدبلوماسي، وتأثير الإمارات الاقتصادي، والغطاء الأميركي الدولي؛ جميعها عناصر ضغط لو توحدت ضمن صيغة واضحة ومُلزِمة.
القوة هنا ليست في إصدار بيان مشترك، بل في وضع خطوط حمراء لا يُسمح بتجاوزها:
هدنة زمنية محددة، مسار سياسي مدني بجدول واضح، وإطار لإعادة هيكلة القطاع الأمني.
أي انقسام في المقاربة يخلق هامش مناورة للأطراف المحلية.
الموقف الأفريقي… أولوية المدنيين
داخل الاتحاد الأفريقي يتصاعد اتجاه واضح: لا استقرار بلا مسار مدني.
أفريقيا تنظر إلى السودان بوصفه حلقة مركزية في توازنات القرن الأفريقي. استمرار الحرب يعني:
انفلات الحدود.
تمدد شبكات السلاح.
ضغط لاجئين متصاعد.
تهديداً مباشراً للملاحة في البحر الأحمر.
بمعنى آخر، أمن السودان أصبح جزءاً من الأمن الإقليمي لا شأناً داخلياً صرفاً.
العقدة الداخلية
اللاعبون المحليون يتحركون وفق منطق الوجود.
القيادة العسكرية تريد الحفاظ على موقعها كضامن وحيد للدولة.
التيارات المرتبطة بالنظام السابق تخشى أن تعني أي تسوية مدنية نهاية نفوذها المؤسسي.
قوات الدعم السريع تتمسك بشرط إعادة صياغة البنية الأمنية كاملة.
لا أحد يريد أن يخسر كل شيء.
ولهذا لا يتقدم أحد خطوة كاملة نحو التسوية.
الكارثة الإنسانية… ساعة الرمل تضيق
الزمن ليس محايداً.
كل شهر إضافي في هذه الحرب يعمّق الانقسام المجتمعي ويخلق اقتصاد حرب يصعب تفكيكه. المجاعة، النزوح، تفكك مؤسسات الدولة، انهيار التعليم والصحة؛ هذه ليست آثاراً جانبية، بل تحولات بنيوية قد تستمر لسنوات بعد توقف القتال.
العالم يدرك ذلك.
ولهذا تتكاثر المساعي.
لكن الإدراك لا يكفي.
الحروب لا تنتهي بالنوايا الحسنة، بل بتغيير ميزان الكلفة.
هل تُستخدم المفاتيح؟
إن أرادت القوى الدولية إنهاء الحرب فعلياً، فإن المعادلة واضحة:
رفع كلفة استمرار القتال بشكل ملموس.
تقديم مسار سياسي لا يسمح بالعودة إلى ما قبل 2019.
ضمانات أمنية انتقالية متدرجة لا تؤدي إلى فراغ مفاجئ.
آلية رقابة دولية تمنع انهيار أي هدنة.
هذه مفاتيح موجودة.
المسألة في استخدامها بحسم، لا بالتقسيط.
السودان اليوم يقف على حافة إعادة تعريف ذاته:
إما دولة تُستعاد تدريجياً عبر تسوية مؤلمة لكنها ممكنة،
أو ساحة مفتوحة لصراعات ممتدة ستُكلّف الإقليم والعالم أضعاف ما يكلّفه الحسم الآن.
العالم يريد إنهاء الحرب، هذا واضح.
لكن التاريخ لا يقيّم النوايا… بل النتائج.
والنتيجة في السودان ستُحدّد ما إذا كانت الإرادة الدولية قادرة على ترجمة نفسها إلى فعل، أم ستبقى أسيرة حسابات اللحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى