فشل أخلاقي
في لحظة حاسمة من تاريخ السودان، وقف العالم يترقب خطوات وفد حكومة البرهان في قمة الاتحاد الإفريقي، يتابعون بقلق وعين نقدية ما إذا كان هذا البلد الذي عانى طويلاً من الحروب والانقسامات ستختار حكومة الأمر الواقع فيه مسار الإنسانية أم الانصياع لمصالحها العسكرية والسياسية الضيقة. للأسف، لم يقدم الوفد في هذه القمة ما يليق بتاريخ السودان أو بمعاناة شعبه؛ بل أخفق في تقديم رسالته الأخلاقية والدبلوماسية، وبدلاً من أن يكون صوت الضمير والإنسانية، جاء ليعلن استمرار الحرب ويطلب الشرعية لذلك.
إن الحروب التي يعانيها السودان ليست مجرد نزاع سياسي أو صراع على السلطة؛ إنها مأساة إنسانية حقيقية، صورها وفيديوهاتها كانت قد زعزعت ضمائر العالم قبل أن يجلس وفد محي الدين سالم على طاولة الاجتماع التشاوري غير الرسمي لمجلس السلم والامن الافريقي الأطفال الذين فقدوا أهاليهم، الأسر التي نزحت عن قراها، المدنيون الذين باتوا أهدافاً سهلة للانتهاكات، كل هذه المشاهد كانت تتطلب لغة دبلوماسية رصينة، دعوة صادقة للسلام، وإعلانا واضحاً عن التزام الدولة بوقف الانتهاكات وحماية المواطنين.
لكن وفد بورتسودان ذهب إلى أديس أبابا بلغة مختلفة تماماً، لغة تركّز على كسب الشرعية لاستمرار الحرب، وكأن معاناة السودانيين لم تكن على جدول أعماله. هذا التحول، من قضية إنسانية محورية إلى مسعى سياسي ضيق، أوقف أذان العالم عن الاستماع. فالعالم لم يعد يرغب في سماع مبررات لاستمرار القتال، ولم يعد يقبل خطاباً يبرر استمرار القتل والدمار باسم الشرعية. العالم، الذي أفزعته صور الأطفال والنساء والشيوخ الذين يعيشون تحت وطأة الحروب، أصبح يتوق إلى لغة السلام، ويفضل أصوات تقدم حلولاً للمعاناة بدلاً من تلك التي تزيدها تعقيداً
التصريح الأبرز الذي كشف عن حجم الفشل الأخلاقي والسياسي جاء على لسان وزير الخارجية، عندما قال: “السرطان لا يُعالج بالأسبرين وإنما بالبتر”. جملة قصيرة لكنها ثقيلة، تتجاوز حدود الدبلوماسية، وتفتح باب الانتقاد الواسع. هذه اللغة التعبوية، الشعبوية، والحادة، لا يجب أن تصدر عن وزير خارجية يمثل دولة لها تاريخ دبلوماسي عريق، خصوصاً في موقف كهذا، حيث يترقب المجتمع الدولي كل كلمة للتأكد من التزام الحكومة بالسلام وحماية شعبها وانهاء معاناته لاجئا ونازحا فالقصص التي ترد من العواصم المجاورة تحكي عن من يموتون في السجون ةدون ذنب جنوه سوى فرارهم من الموت ليجدوا موتا بشكل ابشع في انتظارهم.
الخطأ هنا ليس فقط في اختيار الكلمات، بل في الرسالة التي حملتها. إنها رسالة تحاكي منطق الحرب، وتعزز منطق الاستمرار في النزاع، بدلاً من منطق الحلول الإنسانية. بهذا التصريح، أغلق السودان أبوابه في وجه المجتمع الدولي، بينما كان يتعين عليه فتح قلبه ولغته للعالم، يشرح فيه معاناة المواطنين، ويقدم خطة واضحة للسلام، ويعيد للاتحاد الإفريقي الثقة في جدية البلاد في الالتزام بوقف النزاع
في المقابل، شهدت اديس ابابا بالتزامن التقدير الكامل لوفد “صمود” السودان بقيادة د.عبد الله حمدوك، الذي عومل معاملة الرؤساء. هذا التقدير لم يأتِ من فراغ؛ بل جاء نتيجة لغة الوفد الدبلوماسية الرصينة، التي ركّزت على السلام، وحمت حقوق الإنسان، ووضعت مصلحة السودانيين على رأس أولوياتها. افريقيا والعالم هنا أعطوا رسالة واضحة: نحترم من يسعى لإنهاء الحرب، ومن يضع الإنسانية قبل السياسة والمصالح الضيقة
إن ما حدث في قمة الاتحاد الإفريقي ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل هو اختبار أخلاقي. فالسياسة قد تتغير، والحكومات قد تتبدل، لكن المعايير الأخلاقية تبقى ثابتة. الشعب السوداني، الذي يعاني منذ سنوات من النزاعات الداخلية، يحتاج إلى صوت واضح وموقف مسؤول من قيادته، لا إلى خطاب يحاول التهرب من المسؤولية أو الاستمرار في الحرب تحت ذرائع الشرعية.
أخطاء حكومة الامر الواقع في هذه القمة تكشف أيضًا عن أزمة أعمق في فهم الدولة لدورها أمام المجتمع الدولي. فحين يختار المسؤولون لغة الحروب ويغلقون الأبواب أمام منطق السلام، فإنهم لا يضرون بالعالم فحسب، بل يضرون بمصالح السودان ومستقبله. الشرعية الدولية لا تُمنح لمن يطلبها بالحرب، بل لمن يسعى لإحلال السلام، ولمن يحمي شعبه من العنف والانتهاكات.
إن التاريخ سيذكر أن لحظة القمة كانت اختبارًا حقيقيًا للقيادة السودانية، وموقفًا أخلاقيًا لم يُحسن استغلاله. ولكن التاريخ سيذكر أيضًا أن هناك من كان يمثل ضمير السودان وواقعه الإنساني، من خلال لغة السلام والعمل المسؤول، وهو ما جسده وفد التحالف المدني لقوى الثورة ” صمود”. هذا التباين بين خطاب الحرب وخطاب السلام يمثل درسا مهماً لكل قادة السودان: الشعب يحتاج إلى قيادة تحمي حياته وكرامته قبل أي حسابات سياسية.
قمة الاتحاد الإفريقي كانت فرصة ذهبية لإظهار الالتزام بالسلام ولكن للأسف، ذهب وفد حكومة الامر الواقع إلى القمة بخطاب خاطئ، جعله يغلق الأبواب أمام العالم، بينما ذهب وفد “صمود” بلغة السلام، فتح بها القلوب والأبواب. في السياسة والدبلوماسية، الاختيار بين الحرب والسلام ليس مجرد كلام، بل هو انعكاس للقيم والأخلاق. واليوم، التاريخ سيسجل أن موقف السودان في هذه القمة كان اختباراً صارماً لمصداقية قيادته، ودرجة اهتمامه بالشعب قبل أي مصالح أخرى.
السودان أمام مفترق طرق: إما أن يواصل السير في درب الحرب، ويخسر ثقة العالم وحقوق شعبه، أو أن يتعلم من أخطائه، ويتبنى لغة السلام والعمل الإنساني، ويضع الإنسان السوداني في قلب كل قرار. وفي هذه اللحظة