من الانتقام إلى الإقصاء ..قراءة في سيكولوجيا خطاب البرهان تجاه قادة صمود

بقلم : أحمد عثمان محمد المبارك
في المشهد السياسي السوداني المرتبك، تبرز ظاهرة إعلامية غريبة، فبينما تجاوز الشارع والقوى المدنية الهياكل القديمة والانتقال لتحالفات في كيانات أوسع مثل تحالف “صمود”، يصر إعلام الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني على حصر الصراع في مسمى (قوى الحرية والتغيير) أو ما اريد به تنمرا او (نبذاَ) بلفظ “قحط”. فانتقلت آلة النظام القديم من محاربة التحالفات إلى حرب الأشخاص. هذا التركيز الممنهج على أسماء بعينها مثل الدكتور عبد الله حمدوك، المهندس خالد عمر يوسف، وغيرهم، ليس عفوياً، وانما الهدف منه هو تجريد الفكرة من محتواها. فبدلاً من نقاش رؤية القوى المدنية لإيقاف الحرب، يتم الانشغال بـ “شيطنة” الأشخاص.
ولم يعد خافياً أن لغة التهديد التي يطلقها البرهان، وآخرها وعيده الصريح بأن (هؤلاء الأشخاص لن يعودوا إلى السودان)، تمثل الرد الفعلي من للنظام البائد على فشل مخططاتهم. كما يحمل هذا الخطاب دلالات عميقة، فحين يتحدث رأس سلطة الأمر الواقع عن مواطنين سودانيين، وقادة سياسيين، بمنطق الطرد والمنع من دخول البلاد، فهو بذلك يرسخ لمفهوم أن السودان أصبح إقطاعية تابعة للحركة الإسلامية، يمنحون فيها صكوك الوطنية لمن يواليهم، وينزعونها عمن يعارض حربهم. واللافت في خطاب البرهان(وكما تفعل الآلة الإعلامية للمؤتمر الوطني تماماً)، هو تفادى ذكر تحالف القوى المدنية (صمود) ككيان سياسي له ثقله ومطالبه، لذلك فضل مخاطبتهم كأشخاص، أو كبقايا لقوى الحرية والتغيير، لأن الاعتراف بصمود يعني الاعتراف بوجود كتلة مدنية صلبة ترفض الحرب، وهو ما ينسف سردية الاجماع الشعبي خلف استمرار القتال.
لذلك فإن تصريح البرهان بأن القادة المدنيين (حمدوك، خالد عمر، وغيرهم) لن يعودوا للسودان، يكشف عن المخطط الحقيقي للحركة الإسلامة بإعادة صياغة المشهد السياسي عبر النفي القسري. فهم يريدون سوداناً خالياً من أي صوت مدني ديمقراطي، تماماً كما كان الحال قبل ديسمبر 2018.
وتظهر الهستيريا في نبرة خطاب السلطة في بورتسودان لانها تدرك أن شرعيتها الدولية تتآكل، وأن الالتفاف المدني حول صمود يضيق الخناق على دعاة (بل بس)، ويكون الهجوم الشخصي هو سلاح العاجز الذي لم يعد يملك برنامجاً سياسياً يقدمه للسودانيين سوى الوعيد والخراب.
كل ذلك يؤكد أن خطاب البرهان التحذيري ليس إلا صدى صوت لأيديولوجيا المؤتمر الوطني؛ فهو لا يخاف حربه مع الدعم السريع، بل يهاب ويرتعب من القوى المدنية في شخص رموزها، محاولاً وأد ذكرى ديسمبر عبر تحويل قادتها إلى منفيين، في محاولة يائسة لوقف عجلة التاريخ التي دارت ولن تعود للوراء، ولن تعيدها مصطلحات مثل كلمة “قحاطة” التي تُستخدم كأدوات للتنميط والتحقير الاجتماعي، لعزل القادة المدنيين عن قاعدتهم الجماهيرية.
لكل ذلك يتفادى البرهان ومن خلفه سلطة بورتسودان ذكر كتلة صمود لأن مجرد ذكرها يعني الاعتراف بأن الثورة تتجدد وتتسع، وهو ما يسعى النظام البائد لنفيه عبر الإيحاء بأنها مجرد مجموعة صغيرة معزولة.
وكما ذكرنا في مقالنا السابق بعنوان (من “تسقط بس” الى “بل بس” رحلة سرقة الثورة..) ، فإن هذه الحرب لم تكن خياراً وطنياً بل كانت فعلا انتقاميا خططت له الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، لما تسببت به
ثورة ديسمبر من زلزلة اقتلعت جذور التمكين الذي دام لثلاثة عقود، ولم يكن قادة النظام القديم ليقبلوا بهذا السقوط دون ثمن، لذا فإن استمرار الهجوم على رموز الفترة الانتقالية هو محاولة للانتقام من الذين تجرأوا على تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، من خلال إقناع المواطن السوداني بأن الثورة هي سبب الحرب، وليس انقلاب النظام القديم على مسار التحول الديمقراطي. وعبر وصم القوى المدنية بالخيانة، يحاول المؤتمر الوطني مهد النظام العودة كمنقذ وحيد للبلاد من الفوضى التي صنعها هو بنفسه.
اذن عدم ذكر صمود كتحالف سياسي في خطابات البرهان وسلطة بورتسودان يعود إلى الخوف من الشرعية، فالهجوم على الأشخاص أسهل بكثير من مواجهة جبهة مدنية عريضة تطالب بالسلام. فهم يخشون أن يؤدي الاعتراف بالتحالفات الجديدة إلى فتح الباب أمام الحلول السياسية التي تعني بالضرورة خروج العسكر والإسلاميين من المشهد السياسي.
واخيرا فإن المعركة الإعلامية التي تقودها غرف المؤتمر الوطني هي حرب ذاكرة يريدون بها حبس السودانيين في أخطاء الفترة الانتقالية الحقيقية أو تلك التي يصنعونها في مخيلتهم لمنع السودانيين من النظر إلى مستقبل تقوده القوى المدنية. إن شيطنة خالد عمر وحمدوك وغيرهم من قادة صمود هي في الحقيقة محاولة لغسل جرائم إشعال الحرب وتحويل الانتباه عن الطرف الذي أطلق الرصاصة الأولى انتقاماً لعرشه المفقود.





