
أفق جديد
تتجه أنظار عشاق كرة القدم السودانية مساء الثلاثاء السابع عشر من فبراير نحو العاصمة الرواندية كيغالي، حيث يحتضن ملعب “أماهورو” التاريخي فصلاً استثنائياً وغير مسبوق من فصول القمة السودانية التي تجمع بين قطبي الكرة الهلال والمريخ، وتأتي هذه المواجهة المرتقبة ضمن الجولة الخامسة عشرة المؤجلة من الدوري الرواندي الممتاز لموسم 2025-2026، في واحدة من أكثر المباريات المنتظرة جماهيرياً، ليس فقط لكونها ديربي سوداني تاريخي، بل لأنها تُلعب خارج الأراضي السودانية في ظل الظروف الراهنة.
حيث تتجاوز في أبعادها التنافس على النقاط الثلاث لتصبح تظاهرة رياضية وإنسانية تجسد صمود الرياضة السودانية في وجه الظروف القاسية التي تمر بها البلاد، حيث اختارت رابطة الدوري الرواندي توقيتاً مثالياً عند الساعة السادسة والنصف مساءً لإقامة هذا الديربي الذي يحمل عبق الخرطوم إلى قلب شرق أفريقيا.
وتحمل المواجهة طابعًا خاصًا، إذ يُعد الفريقان قطبي الكرة السودانية وصاحبي النصيب الأكبر من الألقاب المحلية؛ حيث يتصدر الهلال قائمة الأكثر تتويجًا بلقب الدوري السوداني بـ31 بطولة، مقابل 19 لقبًا لغريمه المريخ، ما يجعل الصراع بينهما ممتدًا عبر عقود من المنافسة الشرسة.
يدخل الهلال أم درمان هذه الموقعة وهو يعيش أزهى فتراته الفنية تحت سماء رواندا حيث تأهل الي دور الثمانية من بطولة دوري ابطال افريقيا بعد تصدر مجموعته والتي ضمت فرق كبيرة وعريقة مثل صن داونز الجنوب افريقي ومولودية الجزائر ولوبوبو الكونغولي كما انه يتصدر جدول ترتيب الدوري الرواندي بنسبة فوز مرعبة بلغت 75% بعد أن حقق اثني عشر انتصاراً منها 9 انتصارات متتالية وتعادلين مقابل خسارتين فقط من أصل ست عشرة مواجهة خاضها، وقد أظهر الهلال شراسة هجومية منقطعة النظير بتسجيله واحداً وأربعين هدفاً مما يجعله القوة الضاربة الأولى في المسابقة الرواندية، ولم يقتصر تميز الهلال على النتائج الرقمية بل امتد ليشمل جودة الأداء الفني والقدرة على فرض الإيقاع سواء داخل القواعد أو خارجها حيث لم يتلقَّ أي خسارة في مبارياته التي لعبها بعيداً عن ملعبه الافتراضي.
وفي المقابل يدخل المريخ اللقاء وهو يحتل المركز الرابع برصيد يترجم حالة من التوازن والصلابة الدفاعية حيث حقق تسعة انتصارات وسبعة تعادلات مقابل هزيمتين فقط، وبالرغم من أن مردوده الهجومي أقل نسبياً من غريمه بتسجيله عشرين هدفاً إلا أن المريخ أثبت قدرة فائقة على إدارة المباريات الكبيرة والخروج بنقاط ثمينة بفضل انضباطه التكتيكي العالي وخبرة لاعبيه في التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية التي تصاحب مباريات القمة دائماً.
واشاد الصحفي حمزة نكوتو بصحيفة نيو تايمز الرواندية بالتجربة الفريدة التي شهدها الدوري الرواندي لكرة القدم بمشاركة الهلال والمريخ وقال ان وجود العملاقين السودانيين في الدوري الرواندي لم يكن مجرد استضافة اضطرارية لفرق تبحث عن ملعب بديل بل تحول إلى مشروع نهضة كروية شاملة أعادت رسم ملامح المنافسة في رواندا بالكامل، فقد أدى انخراط الهلال والمريخ في المسابقة المحلية إلى رفع المستوى الفني بشكل تصاعدي وأجبر الأندية الرواندية العريقة مثل “آبري” و”رايون سبورتس” و”بوليس” على تطوير منظوماتها التدريبية والبدنية لمجاراة النسق العالي الذي يفرضه القطبان السودانيان، ولم يقتصر التأثير على الجانب التنافسي المباشر بل امتد ليشمل العقلية الكروية السائدة في شرق أفريقيا حيث قدم الهلال والمريخ نموذجاً عملياً في كيفية إدارة الأزمات والاحترافية في التحضير للمباريات القارية، إذ يواصل الهلال تألقه في دوري أبطال أفريقيا انطلاقاً من معسكره في كيغالي وهو ما جعل اللاعب الرواندي يدرك أن النجاح القاري ليس حلماً بعيد المنال بل هو نتاج عمل مؤسسي وانضباط تكتيكي يشاهده ويحتك به أسبوعياً في مباريات الدوري المحلي.
كما انها كشفت الفجوة الفنية بين الأندية المعتادة على منصات التتويج الأفريقية والأندية الطامحة، لكنها في الوقت نفسه وفرت فرصة ذهبية للتعلم الميداني والاحتكاك بمدارس كروية تمتلك إرثاً يمتد لعقود، فالقمة السودانية في كيغالي أصبحت بمثابة “ماستر كلاس” في كرة القدم الأفريقية حيث يبرز فيها سرعة اتخاذ القرار والكثافة البدنية العالية والقدرة على استغلال أنصاف الفرص، وهي مهارات بدأت تتسرب تدريجياً إلى أداء الفرق الرواندية التي بدأت ترفع من جودة انتدابها للاعبين ومن صرامة خططها الدفاعية، كما أن الحضور الجماهيري الكثيف من الجالية السودانية والمشجعين الروانديين المتعطشين لرؤية كرة قدم عالية المستوى أضفى صبغة تسويقية وإعلامية غير مسبوقة على الدوري الرواندي مما وضعه تحت مجهر المتابعة القارية وجذب إليه أنظار وكلاء اللاعبين والمستثمرين في المجال الرياضي.
خارج حدود المستطيل الأخضر كانت القمة السودانية في المنفى بمثابة رسالة صمود قوية للعالم مفادها أن الروح الرياضية السودانية لا تنكسر وأن الهوية الكروية للبلاد قادرة على الازدهار حتى في أصعب الظروف، وقد تحولت ملاعب رواندا إلى ملتقى اجتماعي وثقافي يربط بين الشعبين السوداني والرواندي وخلقت نوعاً من التمازج الرياضي الذي سيبقى أثره طويلاً حتى بعد عودة الأندية إلى ديارها، فالتجربة السودانية في رواندا كانت رحلة لبناء جسور جديدة وتطوير بيئة كروية كاملة، إذ ساهم وجود الهلال والمريخ في تحسين البنية التحتية والمرافق الرياضية التي تسعى رواندا لتطويرها لتصبح مركزاً رياضياً إقليمياً، وبينما ينتظر الجميع صافرة البداية في ملعب أماهورو يدرك المتابعون أن الفائز في هذه الموقعة لن يكون فقط الفريق الذي يسجل أهدافاً أكثر بل هي كرة القدم الأفريقية التي استطاعت أن تحول محنة اللجوء الرياضي إلى منحة للتطوير والارتقاء والتميز، لتبقى ذكرى هذه القمة محفورة في ذاكرة الكرة الرواندية كأحد أهم المنعطفات التاريخية التي غيرت سقف طموحاتها للأبد.