إنفجار «الكتلة الديمقراطية» .. تصدعات علنية تربك معسكر الجيش

أفق جديد

شهدت الساحة السياسية السودانية تطوراً لافتاً مع خروج الخلافات داخل ما يُعرف بـ«الكتلة الديمقراطية» إلى العلن، في سابقة تعكس هشاشة التماسك داخل أحد أبرز الأجسام السياسية المتحالفة مع معسكر الجيش منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. فقد فجّر الناطق الرسمي باسم الكتلة، محمد زكريا، جدلاً واسعاً بتبرئه الصريح من البيان المتداول بشأن اللقاءات غير المباشرة مع الآلية الخماسية في أديس أبابا، مؤكداً أن البيان لا يعبر عن موقف جماعي، ولم يحظَ بإجماع أو توافق داخل مؤسسات الكتلة.

هذا الموقف العلني أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة آليات اتخاذ القرار داخل الكتلة، وحدود المؤسسية التي ظلت تُرفع كشعار في مواجهة خصومها. فالتنصل من بيان سياسي في قضية محورية تتعلق بالاتصالات الدولية ومسار التسوية، يشير إلى وجود انقسامات عميقة، وربما صراع خفي بين مراكز نفوذ متباينة داخل الكيان نفسه.

مناوي والمناورة

في قلب هذه التطورات، يبرز اسم مني أركو مناوي بوصفه أحد أبرز وجوه الكتلة وأكثرهم إثارة للجدل. فخلال الأشهر الماضية، ظل مناوي يتحرك بين خطاب داعم للجيش ومواقف منفتحة على قنوات إقليمية ودولية، في محاولة واضحة للحفاظ على موقعه داخل أي تسوية سياسية قادمة.

هذا التذبذب، الذي يصفه خصومه بأنه افتقار للثبات المبدئي، بات اليوم أكثر كلفة مع انكشاف الانقسامات داخل الكتلة نفسها، وتراجع قدرتها على التحدث بصوت واحد. ويرى مراقبون أن ما كان يُدار سابقاً عبر التفاهمات المغلقة، أصبح الآن عبئاً سياسياً، في ظل تضييق مساحات المناورة أمام القوى التي راهنت كلياً على خيار الحرب، دون امتلاك رؤية واضحة لمرحلة ما بعدها.

انحياز للسلام

في سياق موازٍ، لفت بيان الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، الصادر في 15 فبراير 2026، الانتباه لكونه يمثل تحولاً نوعياً في خطاب الحزب منذ اندلاع الحرب. فالبيان، الذي صدر بتوجيهات من محمد عثمان الميرغني، خلا بشكل كامل من المفردات التي طبعت خطاب معسكر الحرب خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها مصطلح «معركة الكرامة» والدعوات الصريحة للاحتشاد خلف العمليات العسكرية.

بدلاً من ذلك، ركّز البيان على إعادة بناء العمل التنظيمي والمؤسسي، والانفتاح على القواعد، والتأكيد على أن السلام والتحول الديمقراطي وإنهاء الحرب تمثل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل. كما شدد على وحدة النسيج الاجتماعي، ونبذ خطاب الجهوية والاصطفاف القبلي، وتحميل القوى السياسية مسؤولية تاريخية في وقف النزيف وصون الدم السوداني.

دلالات سياسية

تكمن أهمية هذا البيان في توقيته ومضمونه معاً. فهو أول موقف مكتوب للحزب، منذ أبريل 2023، يعلن انحيازاً واضحاً لمعسكر السلام دون مواربة أو توازنات لغوية. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً داخل الأحزاب التقليدية لمحدودية الرهان على الحسم العسكري، ولخطورة ترك المجال العام لخطاب تعبوي أحادي لا يقدم إجابات عن مستقبل الدولة.

كما أن إعادة افتتاح المراكز التنظيمية في الخرطوم وأم درمان تحمل رسالة سياسية بأن الحزب يسعى لاستعادة دوره المدني والجماهيري، بعيداً عن الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب.

تحالفات متآكلة

بين تصدعات «الكتلة الديمقراطية» وتحول خطاب الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، تتشكل ملامح مشهد سياسي جديد، عنوانه الأساسي إعادة التموضع والبحث عن مخارج سياسية للحرب المستمرة. فخروج الخلافات إلى العلن داخل معسكر داعمي الجيش، يقابله انتقال قوى تقليدية إلى خطاب السلام، ما يعكس حالة سيولة سياسية قد تعيد رسم التحالفات خلال المرحلة المقبلة.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن معسكر الحرب لم يعد كتلة صماء كما كان يُروَّج، وأن مساحات الإجماع تتآكل لصالح أسئلة صعبة حول الجدوى والكلفة والمستقبل، وهي أسئلة مرشحة لأن تفرض نفسها بقوة على جميع الفاعلين مع اقتراب أي مسار جاد للتسوية السياسية الشاملة.

Exit mobile version