الهجوم على القوى المدنية.. صراع الشرعية لا صراع السلاح

بقلم : الهادي الشواف
الهجوم على القوى المدنية.. ومعركة الشرعية :
من الملاحظ منذ انقلاب أكتوبر ومروراً بإشعال الحرب العبثية، أن معسكر بورتسودان ظل يشن هجومًا كثيفًا على القوى المدنية الديمقراطية أكثر مما يهاجم قوات الدعم السريع، هذا السلوك يرسم ملامح وحدود اللعبة الحقيقة، ويفسر يعكس ويؤكد أن المعركة الحقيقية مع القوى المدنية الديمقراطية، لأنها تمثل إمتداداً للثورة السودانية ومطالبها في الحرية والسلام والعدالة، وهي بذلك تملك شرعية أخلاقية وشعبية لا يملكها البرهان بعد انقلابه في 25 أكتوبر 2021م، وكذلك يدرك الذين يهاجمون القوى السياسية الوطنية أن أي تسوية سياسية حقيقية ستعيد القوى المدنية إلى المشهد، مما يعني تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية وكل التشكيلات المسلحة التي تنازلت في ظل الحرب، لذلك يتم الهجوم عليها بشراسة لإضعفها وزعزعت الثقة التي كسبتها في الشارع، وظلت تكسبها بخطها الواضح وخطابها الموزون.
في الواقع يأتي هذا الهجوم المستمر على القوى المدنية الديمقراطية، لأنها تمثل التهديد الأخطر تهديد الشرعية المفقودة، ولأنها ايضًا تمثل الذاكرة الثورية التي تذكر دائماً بأن مروجي هذا الخطاب هم من إنقلب على إرادة الشعب، ولأنها في المقابل تقف سدًا منيعًا أمام عودة فلول النظام السابق إلى السلطة مرة أخرى، ولأنها ايضًا ظلت وباستمرار تفضح سردية الحرب، وتكشف الأسباب الحقيقة لإشعالها، فكل خطابات وأفعال القوى الوطنية تدعو لايقاف الحرب وإيقاف الانتهاكات الانسانية الجسيمة، بينما أفعال وخطابات معسكر بورتسودان تسعر الحرب وتدعو لاستمرارها، وبالتالي لا شك في أن من يدعو لاقاف الحرب من الطبيعي يجب أن يصنف بأنه حريص على الوطن وأمين لوحدته وحفظ كرامة شعبه، وفي المقابل فمن انقلب على ثورة الشعب وإشعل الحرب التي دمرت السودان، الطبيعي هو أن هذه الافعال تضعه في خانة من خان تطلعات الشعب وأجهض أحلامه.
وعليه وصف القوى المدنية بالخيانة يهدف بشكل أساسي إلى نزع الشرعية عنها أمام الرأي العام، وتحويلها إلى خصم داخلي أخطر من الدعم السريع، لأنها تطرح بديلاً سياسياً يجهض سردية إستمرار الحرب والاستمرار في السلطة بقوة البندقية، وأما الدعم السريع، رغم خطورته العسكرية، ورغم الانتهاكات التي ارتكبها فهو خصم يمكن التفاوض معه أو احتواؤه، بينما القوى المدنية تمثل مشروعاً وطنياً منافساً لا يمكن استيعابه واحتواه بسهولة، لأنها تنطلق من ارضية ثابتة من المبادي والقيم الراسخة التي لا يمكن النكوص عنها أو التنازل دونها، وهي ان لا حكم للعسكر ولا سيطرة على السلطة عن طريق البندقية، وان “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل” تظل الايقونة الخالدة لثورة ديسمبر التي يجب أن ترسم ملامح المرحلة القادمة.
حاولت سلطة الأمر الواقع اكتساب شرعية بشتى السبل، فبدأت داخلياً برفع شعار بأن لا صوت يعلو صوت معركة الكرامة، ولكن سردية الحرب الاساسية فضحت هذا المسعى، وسورت نفسها بطيف من الواجهات الحزبية التي تفقد السند الجماهيري والاجتماعي، فلم تعينها في حسم الحرب عسكريًا، وفشلت ان تسوقها اجتماعيًا وجماهيريًا، ومن ثم حاولت من خلال تشكيل مجلس وزراء مدني شكلي، فاصتدمت بواقع غير دستوري ورئيس وزراء لا يملك الكارزما الكافية، ودوليًا ذهبت في اتجهات مختلفة لكسب شرعية خارجية من خلال الحضور في المحافل الدولية والزيارات المتكررة لعدد من الدول، وليس انتهاء بمحاولة الولوج من باب العودة إلى الايقاد والمنظومة الافريقية، ولكنها ايضًا فشلت في أن تسوق نفسها كسلطة مدنية حقيقة، ووقفت أمامها مباديء الاتحاد الافريقي ونظمه الحاكمة التي ترفض كافة أشكال الانقلابات العسكرية والتغييرات غير الدستورية، وبالتالي لم يتبقى لها الا وأن تجرد الأخرين من الوطنية وتوصمهم بالخيانة.
وفي المقابل اتسمت جولة تحالف القوى المدنية الديمقراطية صمود في اوروبا بترحيب واسع، واستطاع الوفد أن يحقق اختراقات كبيرة من خلال عكس واقع الازمة السودانية وسبل حلها، ونجحت صمود في تسويق مشروعها الداعم للحل التفاوضي، والداعي للاهتمام بالجوانب الانسانية، والمؤكد بأن لا حسم عسكري لهذه الحرب، واستكمل ذلك المجهود بعدد من اللقاءات في ديس ابابا على هامش اجتماعات الاتحاد الافريقي وما زالت الجولة مستمرة، وما زال الهدف الاساسي هو دحض سردية الحرب، وأن لا حل عسكري وطاولة التفاوض في انتظار الممانعين وأن طال السفر.
معايير الوطنية والخيانة :
مفهوم المواطنة يمنح ويكتسب بمجرد الانتساب أو الانتماء إلى دولة معينة، ويقوم على مجموعة من الحقوق التى تقابلها جملة من الواجبات، وأن المعنى الحقيقي للمواطنة يعتمد على انتماء الفرد وولائه لوطنه، وعليه تقوم المواطنه في مواجهة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحقيق التوازن بينهما على أساسين أول المشاركة في الحكم والثاني المساواة بين جميع المواطنين دون تميز، ويترتب على ذلك جملة من الحقوق الأساسية منها الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما تترتب عليها مجموعة من الواجبات، منها واجب دفع الضرائب وواجب احترام وطاعة القوانين وواجب الدفاع عن الدولة في حالة العدوان الخارجي.
أما الوطنية هي أعلى درجة وقيمة من المواطنة، لأنها لا تكتسب الا بالافعال والعمل لصالح المصلحة العامة، حيث يتجرد المواطن لتصبح عنده المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ويتجسد ذلك بالولاء التام للوطن والاستعداد للتضحية بالنفس والمال من أجله، والعمل من أجل رفعته، وبالتالي هو مفهوم أعلى قدمًا وأوسع من الانتماء، والولاء يكتسب من خلال التربية والتعليم ورفع مستوى الوعي والأحساس بالوطن، لدرجة أن يتحول الوطن لذات فاعلة وواعية، بهذا المعنى فأن الوطنية درجة رفيعة يصعد لها المواطن باخلاصه وتفانيه في خدمة وطنه، وهذا يترجم من خلال نتائج اقواله وافعاله.
فالبتالي فأن الوطنية ليست شعاراً يرفع ضد الخصوم، بل هي أمانة ومسؤولية أمام قيم ومباديء الشعب، والخيانة ليست وصفاً يطلق جزافاً، بل هي فعل يقاس بنتائج الممارسة اليومية، فمن يقتل شعبه ويدمر وطنه هو الخائن الحقيقي، وبالضرورة فمن يسعى لإنقاذ الأرواح وإيقاف الحرب هو الوطني بامتياز، حتى لو وصف بالخيانة من خصومه، وبالتالي فان الانقلاب على الثورة وإشعال الحرب التي دمرت السودان، وفق معايير الوطنية والخيانة، يعتبر خيانة عظمى للوطن وللشعب، وبهذا المعنى، فإن اتهام القوى المدنية بالخيانة ليس سوى محاولة لتغطية على خيانة أكبر ارتكبت وما زالت ترتكب بحق الثورة والشعب.
معركة أكتساب الشرعية المفقودة :
أن الهجوم المستمر على القوى المدنية يكشف أن معركة السودان ليست فقط بين الجيش والدعم السريع، بل هي معركة على هوية الدولة ومستقبلها، ومعركة أكتساب الشرعية المفقودة، الشرعية التي دنست بالانقلاب على حكومة الثورة وتمزيق الوثيقة الدستورية، وضاعت تحت فوهة بندقية الحرب اللعينة، وسلطة الأمر الواقع ترى في القوى المدنية خصماً أخطر لأنها تحمل مشروعاً وطنياً بديلاً، بينما الدعم السريع خصم يمكن ترويضه واحتواؤه عسكرياً أو سياسياً، بالجلوس على طاولة التفاوض طال الزمن أو قصر.
ولكن القوى المدنية الديمقراطية محصنة بمشروعها المتكي على مكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة، ورافعتها حرية سلام وعدالة، ووهدفها الذي لا تحيد عنه وهو انجاز التحول المدني الديمقراطي، وتحقيق دولة المواطنة دون تميز، من خلال ايقاف الحرب واستعادة المسار الديمقراطي، وبناء جيش وطني واحد بعقيدة وطنية، ليس له أي دور سياسي أو اقتصادي، وينصرف لمهمته الأساسية حماية البلاد وحراسة الحدود، وخلاصة القول هو أن معايير الوطنية ومعنى الخيانة، لا تحسم بالشعارات أو الاتهامات أو بالخطاب المرسل، بل بالعودة إلى جوهر الفعل السياسي وأثره على الشعب والوطن، وهنا تتضح المفارقة من يقتل شعبه ويدمر وطنه لا يمكن أن يكون هو الوطني، ومن يسعى لإنقاذ الأرواح وإيقاف الحرب لا يمكن أن يسمى خائنا.





