حكاية بيئية (25) أم نعيم

بقلم :محمد أحمد الفيلابي

 ــ ناس (أم نعيم) سلام.

ــ حبابك.. لاكين وينهم الناس؟.. وقول أم نعيماً زال.

ــ قدر الله يا بت الحلال.

ــ الله ما بظلم عبيدو.. ده كلام محال.. 

دي سُواة غبا.. عُميان رجال.. 

دفننونا ذلة ومسغبة.. خلونا لي الجوع والرمال.

تحسها ثوباً بالياً تهرأت أطرافه، ليُحدِث فيه الضغط المتزايد ثقوباً وفتوقاً تتزايد في كل يوم، حتى ليصعب الأمر على من يحاول الرتق والمعالجة. ككل القرى في الأراضي القاحلة وقفت (أم نعيم) تحكي مأساة الريف السوداني عامة، وإنسانه (المسكين)، قبل أن تزيده الحرب الدائرة الآن (مسكنة) واهمالاً.

وعن النعيم الزائل هنا تحدثك المدرسة المهجورة، بيوت المحطة المتهدمة، وغير بعيد عن القرية قضيب السكة الحديد المدفون تحت الرمال، وهذه العجوز، عنوان القرية، ولسان حال أهلها. وهي التي فضّلت هوان البقاء على جرح النزوح. شاركتها الصمود ثلاث معزات وحمارة كحيانة، وكلب (صامد)، ينبح في الفراغ ليلاً ونهارا، معلناً عن حياة خبت، حتى خبا صوته. وها هو اليوم يجد من ينبح عليهم. فقد كان في استقبال مجموعة الأبناء العائدين إلى ما تبقى من جغرافيا الماضي القريب، ولم يجدوا بشرياً إلا العجوز.

(أم نعيم) إستحقت الاسم حين كان النعيم يأتيها من محيطها، ويخرج من عندها، حين كان شريان الحياة يمر من هنا، تعبّر عنه صافرة حنينة. الشريان الذي لم ينقطع، بل تم تمزيقه (قصداً) بفعل فاعل. كانت ذات نعيم حين كان أهلها يزرعون ما يكفيهم ويزيد، ويسعون قدر ما يحتاجونه من بهائم، بيد أن وقوع القرية قريباً من مواقع إنتاج الصمغ العربي جعلها محطة تجميع وترحيل عبر السكة الحديد، وسوق محاصيل له إسمه. 

يجن المناخ، يشحذ أسلحته الفتّاكة، تهجم الرمال، تهرب الغيوم، يقل الانتاج، تموت السوام، وتنعدم أسباب الاستقرار، ويحل الفقر، وينزح البشر. إنها معادلة قاسية التراكيب، صعبة الحلول، تلك التي تربط الفقر والجوع والتصحر. ففي جميع أرجاء الكوكب تتحوّل الأراضي الجافة إلى صحاري بسبب الفقر والإدارة غير المستدامة للأراضي، وقد أضيف مؤخراً تغيّر المناخ كمسبب آخر. وفي الشق الثاني من المعادلة يفاقم التصحر  الفقر، ويؤدي إليه. وتبدو القضية أكثر وضوحاً في (أم نعيم) وكل القرى الواقعة في حزام الاهمال التنموي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث يشكل تدهور الأراضي الجافة عقبة كؤود تعوق القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتقوِّض الجهود المبذولة لكفالة الإستدامة البيئية، وتحقيق الهدفين الأولين من أهداف التنمية المستدامة (لا فقر.. لا جوع).

في الأصل تصنّف الأراضي القاحلة الجافة هامشاً إيكولوجياً واقتصادياً واجتماعياً يعيشه ساكنوها تحت تهديد التصحّر، والنزاعات وحروب الموارد، وفي بعض المناطق يتكدس النازحون البيئيون، فيزداد الضغط على الموارد المهددة أصلاً بالنضوب. وتقف معالجات (المركز) عاجزة، فتتصاعد مفردة (التهميش) لتنشر في الأجواء تهديداً أمنياً تنداح نيرانه لتحرق وطناً بأكمله.

بدأ الحديث عن التصحر لدينا منذ أربعينات القرن الماضي، فقد خلصت دراسة صيانة التربة (1944) إلى أن تدهور التربة والتصحر يعود أساساً لسوء إستخدام موارد الأرض، أكثر من كونه نتيجة لتغير المناخ، الذي يعد عاملاً ثانياً في زيادة حدة التصحر. كما كتب أ. ب. استبنق (1952) كتاباً هاماً حول زحف الصحراء في السودان ومناطق أخرى في أفريقيا، ذلك إبَّان دراسته لتدهور الغطاء النباتي. ويُذكر أن موجات الجفاف القاسية اجتاحت السودان من (1967) إلى (1973)، ومن (1984) إلى (1985)، وأعقبتها موجات جفاف أقل متسببة في انتشار المجاعة ونزوح البشر. 

يقولون أن الأثافي ثلاث، ولو كانت إثنتان لانكفأ القدر بما يحمل لتنطفئ النار. ولو أنها زادت عن ثلاثة لضاق مدخل الهواء المساعد على الاشتعال، ولقلّت مساحة الوقود. والمعروف أن مفردة (أثافي) من عائلة الجنس الجمعي، عير معروف لها مفرد، وهي ترتبط – دائماً – بالرقم ثلاثة. أما قِدْر البيئة السوداني فهو كقِدْر البيئة في دول العالم الثالث، والأفريقية خاصة، إذ ظل منذ زمن بعيد يغلي فوق نار التخلُّف، متوهطاً على الأثافي الثلاث (الفقر والجهل والمرض). بيد أن حركة الغليان قد زعزعت القدر، فأبى ساسة هذا الزمان إلا أن يضيفوا الرابعة (الفساد). فقد أهمل قطاع الصمغ العربي في هذه النواحي، وتعطلت صافرات القطار، لتزداد وحشة المكان.

يتخذ الفساد شكل التدمير الهادئ والمخطّط لكل ما من شأنه رفاه المواطن المحلي، الأمر الذي ساعد على زيادة وتيرة الهجرات من الريف إلى المدن، وإلى الدول الأخرى، في أكبر عملية تحول ديموغرافي بمناطق الإنتاج. كما ظلت الحروب والنزاعات حول الموارد سلاحاً خفياً في أيدي المفسدين الكبار، يمنحهم فرصة الإستئثار بموارد البلدان فيما يشبه ما كان يحدث في عهد الإستعمار سافر الوجه وواضح المعالم، حين كان العالم الأول يسيطر سياسياً على دول العالم الثالث.

أما ما يمارس من إفساد بيئي هنا وهناك، فقد ظل البعض بمن في ذلك أصحاب إتخاذ القرار من السياسيين يرونه غير ذي شأن، لأن البيئة في نظرهم، وكما يزين لهم الأمر بعض أصحاب المصالح من أهل الخبرات العلمية، قادرة على إعادة تأهيل منظوماتها بشكل طبيعي. لكن الأمر زاد عن حد قدرات المعالجات الذاتية لعدد من النظم البيئية. وبات كلُ من يجد فرصة في الموارد لا يلتفت إلى حاجات الآخرين ، دع عنك حاجة النظام البيئي. ولن تجد من يبادر لمحاسبة نفسه، فذلك أمر عسير، والشاهد أن الدول العظمى ما تلبث أن تتنصَّل من تعهداتها بالعمل وفق الإتفاقيات التي تؤكد مغالاتهم في إهلاك البيئة، ما يؤكد الحاجة لتوطين الأخلاق البيئية، قبل إعادة توطين أهل (أم نعيم) أحد أجندة الشباب الذين حلوا بقريتهم اليوم بعد غياب طويل. أما الأساس فهو ما ستسفر عنه الأيام.

ولأن مقولة العجوز (الله ما بظلم عبيدو) حقيقة لا مراء فيها، وهي بحكمتها وخبرة السنين كانت تنتظر اليوم الذي يعود فيه أهل (أم نعيم) إلى ديارهم، وأن تعود صافرة القطار لتعلن عن إنبعاث الحياة في النواحي من جديد. إذ أن احلامها ورؤاها تقول بذلك، وهي رؤى لا تخطئ.

بح صوت الكلب من النبيح، وحين لم يعره أحدهم إنتباهاً إنزوى في (مسكنة) بالقرب من صاحبته التي ظلت تراقب العائدين المحملين بعدد من الصناديق الخشبية، والأثاثات والحقائب، ما يعني أنهم سيقيمون بالقرية، ولو إلى حين. لكنها لحظت أنه ليس في معية الشباب العائدين ولا إمرأة واحدة، وأنهم نصبوا خياماً وسط البيوت، وركّبوا أجهزتهم. وجاءوا إليها بالكثير من الطعام، كما أطعموا الكلب والأغنام من قشور الفواكه وبقايا الخضار الذي كان بحوزتهم. وما هي إلا أيام حتى وصل المزيد من السيارات والآليات و(الوجوه الغريبة). كانوا ينقلون الكثير من الرمال إلى آلياتهم. فأدركت العجوز أن سر العودة يكمن في هذه الرمال. شاب فرحتها بعودة هؤلاء شيء من خوف. وتساءلت في نفسها إن كانت الرمل هنا نفيسة إلى هذه الحد، لما لم ينتبه للأمر المسؤولون قبل أن تندلع الحرب؟

هي لن تدرك أن رمال قريتها تحوي الليثيوم والكوبالت وغيره من العناصر الأرضية النادرة، التي باتت المكوّنات الرئيسة لبطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وأنظمة الطاقة المتجددة، الأمر الذي يسيل لعاب كل من يدرك هذه الحقيقة. إنه الاقتصاد الذي يواكب التحولات العالمية في المعادن والطاقة النظيفة. والسباق نحو المعادن التي تحدد ملامح الطاقة والصناعة المستقبلية.

لم تدرك العجوز أن (أم نعيم) كانت تحت المراقبة الدقيقة من قبل المهتمين بالأمر، وحين اندلعت الحرب إنقطع بهم السبيل، لكن ها قد عادوا، وإن لم تقف لعلعة الرصاص بعد.

هل يعود الأهالي، أم أن هؤلاء هم أهل (أم نعيم) الجدد؟

هل ستعود صافرة القطار؟

هل تعود (أم نعيم) محطة إنطلاق لمنتوج الصمغ العربي أو التراب؟

هل يعود الهشاب، ليحل محل هذه الخراب؟

هل تعود (أم نعيم)؟

بل هل هو (نعيم) حقاً أم أنه مجرد حلم يمكن أن تصحو منه العجوز  في لحظة ما؟

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى