مراجعات د. على الحاج وحزب المؤتمر الشعبى

بقلم : كمال بولاد /عمر الدقير
أجرت قناة الجزيرة – في أبريل 2017م – حواراً مع د. علي الحاج، الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، قدّم فيه إفادات جديرة بالاهتمام، قال فيها: (إن مشروعنا لم يفشل، فهو جهد بشري، وبرنامجناً يحتاج إلى مراجعة. أنا أنظر إلى النقد نظرة إيجابية، ونحن لا ندّعي الكمال، وسنعمل على المراجعات، وسأسعى بكل ما أوتيت من قوة من أجل إجازة موضوع الحريات، ونرجو أن نستفيد من كل المآسي التي حدثت لنا ولغيرنا). وأضاف أن هذه القضية (تؤكد النقص الفكري والاجتهاد داخل الحركة الإسلامية حول قضية الحرية ونظام الحكم).
في رأينا، حملت هذه الرؤية أسساً واضحة لمراجعات جوهرية لتجربة وفكر الإسلام السياسي، وتحديداً تجربة حكم “الإنقاذ”، فيما يتعلق بالحريات كمفهوم وممارسة ونظام الحكم والمشاركة السياسية. إلا أن الالتزام بهذه الرؤية تراجع بمشاركة د. علي الحاج وحزبه في سلطة المؤتمر الوطني خلال سنوات خريفها الأخيرة، متجاهلين طبيعتها الإقصائية القائمة على قاعدة عقائدية مذهبية تُشرك الآخرين بوصفهم “مردوفين” لا شركاء.
ومع ذلك، فالأهم هو موقف د. علي الحاج الذي سجله بعد ثورة ديسمبر/أبريل المجيدة، وهو في المعتقل بتهمة التدبير لانقلاب الإنقاذ المشؤوم، حيث أعلن رفضه الصريح لانقلاب (البرهان/حميدتي) في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، وقال للكثيرين مقولته المشهورة: (نحن تبنا من الانقلابات، ولو خرج انقلاب من جيبنا لمزقناه).
لا يختلف إثنان في أن قضية المراجعات الفكرية والسياسية أصبحت ضرورة، لكافة القوى السياسية، خصوصًا بعد المتغيرات الكبيرة التي أحدثها التطور التقني في العالم، وما ترتب عليه من سرعة نقل المعلومات والأفكار وتأثيرها على ثقافات الشعوب، وفرض صيغ جديدة للتواصل، وخدمة المصالح الدولية، وتأثير الإعلام الذكي في صياغة وجهات النظر وتوجيه الرأي العام، وصولاً إلى توظيفات الذكاء الاصطناعي. وكل هذا لا بد أن يطرح أسئلة أمام مشروعات القوى السياسية الفكرية والسياسية، فضلاً عن إعادة ترتيب أولويات الأسئلة السابقة.

ويضاف إلى ذلك سبب آخر ذو خصوصية وطنية يجعل مسألة المراجعات أكثر إلحاحاً، وهو تأثير حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، التي استهدفت تطلعات الشعب السودان التي عبّر عنها بثورة ديسمبر المجيدة، وأفرغت دور الثقافة والفنون والرياضة والمدارس وكافة منصات الوعي، وشرّدت الفئات الحضرية التي تسهم في صياغة الوجدان المشترك في حواضر ومدن السودان التي اجتاحتها نيران الحرب، وهدمت بنيتها التحتية. كما أحدثت انقساماً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق، وقطعت الطريق على كل تراكم العمل الثقافي والاجتماعي الذي تأسس منذ العشرينات من القرن الماضي بهدف محو ثقافة “فرّق تسد” التي زرعها المستعمر، وبناء ثقافة الوحدة الوطنية والتماسك والتعايش الاجتماعي (مرفعينين ضبلان وهازل شقو بطن الأسد المنازل – يوسف التني).
هذا التخريب يحتاج إلى مجهودات ذهنية، وتفكير جديد، وعمل سياسي بكثافة وحجم يوازي ما حدث. وعليه، فإن الأولوية الآن هي صناعة وتكثيف وعي الوحدة الوطنية، ومعالجة اختلالات النسيج الاجتماعي التي أحدثها خطاب وسلوك الحرب، والبحث عن أفضل السيناريوهات لإنهائها على طريق واحد لا ثاني له: طريق الحل السياسي السلمي المفضي لسودان واحد، منفتح على معالجات ما بعد الحرب وفق عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتحقق التعافي الوطني عبر التسامح الخلاق لشراء مستقبلٍ مشرق لمصلحة الجميع، وفي نفس الوقت تضمن عدم الافلات من العقاب ولا تترك الجناة بلا حساب.
ومن المؤكد أن ذلك يحتاج إلى مراجعات جادة لأطروحات القوى السياسية، بسبب استثنائية المرحلة، وتحديد ترتيب الأولويات حتى تتصدرها، والانتباه لدرس الحرب القاسي، والاستذكار بهدف النجاح في امتحان الحفاظ على الوحدة الوطنية ورتق النسيج الاجتماعي في هذا الوضع الأصعب، في ظل سيادة الضباب والتلوث الفكري من سرديات التضليل، وتوحش الضباع النهمة الساعية لتفتيت وحدة البلاد من أجل السلطة .. وذلك يتطلب من الجميع إرادة بحجم التحدي حتى نعبر إلى الضفة الأخرى حيث يرتاح شعبنا مع معاني شعار ثورته الأثير: حرية، سلام وعدالة.
ما يلفت الانتباه في تجربة المؤتمر الشعبي وإفادات أمينه العام، الوثائق التي صدرت باسم الحزب: (التوافق السياسي – فبراير 2021م) و(تدابير الانتقال – ديسمبر 2021م). وهي وثائق تحمل في متنها مراجعات نظرية مهمة، بالنظر إلى تجربة الإسلام السياسي في معالجة قضية مركزية، هي كيفية الوصول إلى السلطة من منظور عقائدي وتجربة عملية.
لقد حسم الأمين العام للمؤتمر الشعبي وحزبه في هذه الوثائق مسألة رفض الانقلابات العسكرية كوسيلة للوصول إلى السلطة بصورة قاطعة، وشدد على أن القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى يقتصر دورها على حماية سيادة البلاد، وحفظ أمنها، وحماية شعبها، دون أي تدخل في الحياة السياسية. كما أكد أن الطريق الأوحد للوصول للسلطة هو التفويض الشعبي النيابي الانتخابي.
واقترح الحزب على القوى السياسية تصوراً جديداً بديلاً للشموليات ونموذج ليبرالية “ويستمنستر”، أطلق عليه “الديمقراطية التوافقية”، وقدم شرحاً لها باعتبارها الأنسب لواقعنا من وجهة نظره، وطرح كآلية لممارستها النيابية صيغة التمثيل النسبي، بما يتيح مشاركة كافة القوى الفاعلة في الرقابة البرلمانية عبر الوجود في البرلمان، وصولاً إلى اتفاق عام على التداول السلمي والمستدام للسلطة والمشاركة السياسية.
تتفق أو تختلف مع هذا المجهود، لا تملك إلا أن تحترم الاجتهاد وإعمال الذهن الحزبي في محاولة الخروج من الأزمة الشاملة التي تحيط ببلادنا. ومن فوائد هذه الأوراق وأطروحاتها أنها تلقي حجراً في البركة، وعلى الجميع أن يلقوا حجارتهم حتى يطفح الماء، ونطل على سطح الخروج من الأزمة الوطنية الشاملة.
المراجعات لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت شرطاً للنجاة الوطنية. هذه النجاة تبدأ بوقف الحرب أولًا حتى نحقن نزيف الدم، ثم نغيث أهلنا، وننخرط في عملية سياسية شاملة للتوافق على أسس إعادة وطننا بما يحقق شروط الحياة الكريمة للجميع بلا تمييز، ونضع الأساس الصحيح للتداول السلمي والمستدام للسلطة .. السودان اليوم لا يحتمل تأجيل المراجعة، ولا يملك رفاهية الدوران في حلقة الأخطاء القديمة.





