
بلا قناع
بقلم: حاتم ايوب ابوالحسن
في السودان اليوم، لا تكفي كلمة “هدنة” لإطفاء نارٍ تشتعل في البطون قبل الجبهات. البنادق قد تخفت في بعض المحاور، لكن المدن والقرى التي تبقّت خارج خطوط الاشتباك المباشر تغرق في انهيارٍ إنساني متسارع مستشفيات شبه معطلة، مدارس مغلقة أو مأهولة بالنازحين، خدمات منهكة، واقتصاد يتنفس بصعوبة. الفجوة بين ما يُوقّع في القاعات وما يُعاش في الشوارع لم تعد مجرد خلل سياسي
بل صارت مأساة يومية.
منذ إندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحوّل الصراع إلى عملية إستنزاف شاملة لمقومات الدولة. ومع كل هدنة لا تُترجم إلى ترتيبات ميدانية مُلزمة وآليات رقابة فعّالة، تتآكل الثقة أكثر. الهدنة التي لا تحرسها إرادة تنفيذ، ولا تسندها ضمانات إنسانية عاجلة، تصبح إستراحة تكتيكية تعيد تموضع القوى، لا حياة الناس.
المسار السياسي — وهو الكفيل نظرياً بإنهاء الحرب وإزالة آثارها — يتعثر في بطءٍ مُنهِك. بدلاً من منصة تفاوضية موحّدة بمرجعية واضحة وجدول زمني صارم، تتكاثر المسارات وتتقاطع الرعايات. تتحرك الرباعية الدولية، لكن التوزع بين الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، مع مطالب إلحاق أطراف أوروبية، يخلق ازدحاماً دبلوماسياً لا يوازيه ضغطٌ حاسم على الأرض. تعدد المنابر قد يبدو ثراءً سياسياً، لكنه عملياً يمنح أطراف الحرب مساحة للمناورة وشراء الوقت، بينما يدفع المدنيون الفاتورة كاملة.
الرهان على أن “التوازن العسكري” سينتج تسوية تلقائية رهان مكلف أخلاقياً وإنسانياً. لا سلام يولد من إرهاق الناس وحدهم. أي عملية سياسية لا تضع البعد الإنساني في المقدمة — ممرات آمنة، إعادة تشغيل المستشفيات، دفع رواتب العاملين في الخدمات الأساسية، حماية الأسواق وسلاسل الإمداد — ستظل فاقدة للشرعية الشعبية حتى لو حازت اعترافاً إقليمياً. فالشرعية في زمن الانهيار تُقاس بقدرتها على إنقاذ الحياة لا بعدد التواقيع تحت البيانات.
ماذا تخبئ الأيام للسودانيين الآن وغداً؟ في الأمد القريب، يُرجّح استمرار نمط “حرب منخفضة الشدة” تتخلله تفاهمات موضعية وهُدن هشة، مع ضغط معيشي يتفاقم بعيداً عن عدسات الكاميرات. قد يتحسن الوضع نسبياً في بعض المدن إذا ثُبّتت آلية مراقبة مشتركة وفعّالة، لكن أي تحسن سيبقى هشاً ما لم يُستكمل باختراق سياسي شامل.
أما في المدى المتوسط، فالمفترق واضح بين مسارين:
الأول، توحيد المسارات تحت مظلة إفريقية–إقليمية واحدة مدعومة بضغط دولي منسق، يفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وترتيبات أمنية انتقالية، وحكومة مدنية بصلاحيات تنفيذية واضحة، وربط الدعم المالي بخطوات قابلة للقياس على الأرض.
الثاني، استمرار التشظي التفاوضي بما يرسخ اقتصاد الحرب، ويحوّل الهدن إلى أدوات إعادة انتشار، ويعمّق النزوح والهجرة، ويجعل أي تسوية لاحقة أعلى كلفة وأقل استدامة.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات المنمقة ولا سباق وساطات متوازية. يحتاج إلى هندسة تفاوضية موحّدة، وإلى ضغطٍ دولي منسق لا يكتفي بإدارة الأزمة بل يفرض إنهاءها، وإلى أولوية إنسانية لا تُؤجَّل ولا تُساوَم. بين هدنةٍ على الورق وسلامٍ على الأرض، يقف مصير السودانيين معلّقاً بقدرة الوسطاء على تحويل الكلمات إلى أفعال، والسياسة إلى حماية للحياة. والسلام، إن لم يصل سريعاً إلى الأحياء المنسية والقرى البعيدة، سيبقى عنواناً جاذباً… بلا مضمون.