كيف تتحول الحرب إلى مشروع لتصفية الدولة

بقلم :حيدر المكاشفي
لم تعد المأساة في السودان مجرد حرب بين جيش وقوة متمردة، ولا مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل تحولت إلى شيء أخطر بكثير، تحولت إلى عملية تفكيك صامتة ومنهجية للدولة نفسها. ما يجري اليوم ليس حرباً داخل دولة، بل حرباً على الدولة. الدليل الأول على ذلك أن الدولة بمعناها الحقيقي، لم تعد موجودة إلا كإسم. حكومة الأمر الواقع تتحدث، تصدر البيانات، تستقبل الوفود، لكنها لا تحكم فعلياً إلا نطاقاً محدداً. بقية البلاد موزعة بين سلطات أمر واقع أخرى لكل منها جيشها واقتصادها ونقاط تفتيشها وخطابها الإعلامي. لم يعد السودان دولة واحدة، بل جغرافيا ممزقة بين قوى متناحرة. فالدولة ليست علماً يرفع، ولا نشيداً يعزف، ولا وزيراً يعين. الدولة هي احتكار العنف ووحدة القرار وسيادة القانون. وهذه الثلاثة انهارت بالكامل. السلاح لم يعد بيد الدولة وحدها، والقرار لم يعد مركزياً، والقانون أصبح مجرد ذكرى من زمن آخر. والأخطر من ذلك أن الحرب لم تعد تسعى إلى نصر حاسم، بل إلى استدامة نفسها. لقد نشأ اقتصاد كامل قائم على إستمرار الحرب، تهريب الذهب، الجبايات، السيطرة على الموارد، المساعدات الإنسانية التي تتحول إلى أدوات نفوذ. هناك من أصبحوا أثرياء من استمرار الفوضى، وأقوياء من غياب الدولة. وهؤلاء ليس لديهم أي مصلحة في عودة السودان كدولة مستقرة. وفي الوقت الذي يطلب فيه من المواطن أن يموت باسم الوطن، فإن الوطن نفسه يسحب من تحت قدميه قطعة قطعة. ملايين السودانيين نزحوا ليس فقط من منازلهم، بل من فكرة الدولة التي كانت تحميهم. المواطن اليوم لا يسأل من يحكم السودان، بل يسأل من يحكم هذا الشارع، هذا الحي، هذه النقطة. لقد تقلص مفهوم الدولة إلى حدود الحواجز المسلحة. والأكثر مأساوية أن الخطاب السياسي ما يزال يعيش في وهم السيطرة. بيانات النصر تصدر، وتصريحات الحسم تتكرر، بينما الواقع يقول شيئا مختلفا تماما، لا أحد يحسم، ولا أحد يسيطر، ولا أحد يحكم السودان بالكامل. إنها سلطة بلا سيادة، ودولة بلا دولة. هذه ليست مجرد أزمة سياسية بل انهيار تاريخي. فالدول لا تسقط فقط عندما تهزم جيوشها، بل عندما تفقد قدرتها على الوجود كمرجعية وحيدة للسلطة. وهذا ما يحدث الآن أمام أعين الجميع.. الذين أشعلوا هذه الحرب قد يخسرون أو يربحون السلطة، لكن السودان نفسه هو الذي يخسر وجوده. وعندما تنتهي الحرب (إن انتهت) قد يكتشف الجميع أنهم لم يكونوا يقاتلون للسيطرة على الدولة، بل على أنقاضها. والسؤال الحقيقي لم يعد من سينتصر، السؤال الحقيقي هو هل سيبقى هناك سودان يمكن الانتصار عليه أصلاً..
في السودان اليوم يمكنك أن تجد كل شيء إلا الدولة. ستجد جنرالات ببدلات مكوية ونياشين تلمع يتحدثون بثقة عن (السيادة)، بينما السيادة نفسها ضاعت في أول نقطة تفتيش يديرها صبي يحمل بندقية أكبر من عمره. ستجد مسؤولين يصدرون بيانات عن (الاستقرار)، بينما المواطن لا يستطيع عبور شارع دون أن يشرح اسمه ولهجته وانتماءه الجغرافي، وكأنه متهم بالإقامة في وطنه. الدولة السودانية لم تعد تحتضر. لقد ماتت بالفعل، لكن أحداً لم يخبر المسؤولين بعد. لذلك ما يزالون يتصرفون كأنهم يحكمون بلدا، بينما هم في الحقيقة يديرون جنازته. في بورتسودان والخرطوم يوجد وزراء، مكاتب، أعلام، وخطب رنانة. كل شيء موجود… إلا الشيء الوحيد المهم، السلطة الفعلية. إنها حكومة تملك الميكروفون ولا تملك الأرض التي تتحدث باسمها. سلطة تتحدث عن الوطن، بينما الوطن نفسه يتبخر خارج نطاق صوتها. أما على الأرض، فهناك واقع آخر سودان جديد، بلا دولة، بلا قانون، بلا مركز. سودان تديره البنادق، وتحدد فيه نقاط التفتيش معنى الحياة والموت. هنا لم يعد السؤال من أنت بل من يسيطر على هذه المنطقة الآن، لقد تحول الوطن إلى مجموعة جزر معزولة، كل جزيرة يحكمها سيد حرب صغير، يفرض قوانينه ويجمع أمواله ويرسم حدوده بدم الآخرين. لكن الكارثة الحقيقية ليست في سقوط الدولة، بل في الذين يتظاهرون بأنها ما تزال قائمة. جنرالات يتحدثون عن (النصر)، لكن لا أحد يستطيع أن يحدد النصر على ماذا، على المستشفيات المدمرة، على المدن الفارغة، على الملايين الذين تحولوا إلى لاجئين، إنه نصر يشبه إعلان شخص إفلاسه ثم الاحتفال بقدرته على بيع أثاث منزله. هذه ليست حربا من أجل السودان، هذه حرب على السودان. لقد اكتشف أمراء الحرب سرا بسيطا، هو ان الدولة القوية تحد من سلطتهم، أما الدولة المنهارة فتجعلهم آلهة صغارا. في غياب الدولة يصبح كل مسلح حاكما، وكل نقطة تفتيش حدودا، وكل بندقية دستورا. وهكذا يطلب من المواطن أن يموت من أجل الوطن، بينما يعمل قادته بجد لضمان أن لا يبقى هناك وطن أصلا. الفظاعة لا تكمن فقط في الدمار بل في الوقاحة. وقاحة الحديث عن (المؤسسات) بينما المؤسسات نفسها نهبت، وعن (القانون) بينما القانون أصبح نكتة سوداء، وعن (الوطن) بينما الوطن يباع قطعة قطعة في سوق الحرب المفتوح. السودان اليوم ليس دولة فاشلة، بل دولة يجري تفكيكها بنشاط وحماس، على أيدي الذين يفترض أنهم حراسها. وعندما تتوقف هذه الحرب يوما ما، لن يكون هناك منتصرون. سيكون هناك فقط ناجون يقفون فوق أنقاض وطن كان اسمه السودان. وحينها، ربما سيدرك الجميع الحقيقة التي يحاولون تجاهلها الآن، ان السودان لم يكن ضحية الحرب. بل كان ضحية الذين ادعوا أنهم يقاتلون من أجله..





