رئيس الوزراء : مرآة زائفة لسودان بلا أمل

الزين عثمان 

في السودان، حيث تتقاطع الحروب مع الفساد والإخفاقات الإدارية، لا يختبر المواطنون فقط صدمة القذائف والخراب، بل يواجهون أيضًا واقعًا أكثر مرارة على صعيد القيادة السياسية. رحلة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس، إلى الخارج، وما رافقها من أخطاء بروتوكولية وخطابية، تعكس حالة هزلية وإرباكًا يتجاوز حدود الدبلوماسية، لتكشف هشاشة السلطة والفراغ السياسي الذي يعيشه الوطن. من القاهرة إلى ميونيخ، تبدو الصورة المرسومة عن السودان في الخارج شاحبة، بينما الداخل يغرق في أزمات متراكمة، من البطالة والتأخر في صرف المستحقات إلى غياب الأمن والخدمات الأساسية. هذا التقرير يغوص في تفاصيل هذه الأزمة، ويستعرض كيف أصبحت السياسات الرسمية مجرد واجهة لتجميل حرب مستمرة، بينما الأمل الحقيقي يتبدد أمام أعين السودانيين.

مع امتحان الحرب ومضاعفاتها من موت وتشريد وفقد ممتلكات، يواجه السودانيون امتحانًا آخر أشد مرارة، وهو الصبر على تصرفات رئيس وزرائهم، كامل إدريس، الذي بدا كأنه متعاقد مع كل نقيصة فيما يتعلق برسم صورة البلاد خارجيًا. المشهد الذي بدا في القاهرة تكرر في الرياض وأسمرا، وتحول رئيس وزراء السودان لمجرد هاتف بحياة الرئيس أفورقي، قبل أن ينتهي به المطاف في ميونخ لمجرد ثرثار يتحدث كثيرًا ولا يقول شيئًا، بحسب ردة فعل مقدمة المنصة التي إضطرت لسحب الميكروفون منه في نهاية المطاف.

الرجل الذي صعد لمنصبه فوق لافتة “الأمل”، سرعان ما تحول لمثار سخرية لدى تيار كبير من السودانيين، الذين يطلقون عليه صفة “فلان ما شافع مرقة”. الضرر الذي سببت فيه سلوكيات رئيس الوزراء في رحلته الخارجية على السودان أكبر من ضرر كل أعدائه، كما يقول مناصرو حرب الكرامة وسلطتها، قبل أن يضيف بعضهم: “الأزمة ليست في كامل إدريس وإنما في البطانة من حوله”. وللمفارقة، يستدعون ذات العبارات في حضرة الرئيس المخلوع عمر البشير.

في الوقت الذي يحذر فيه من ارتدادات الصورة التي يرسمها إدريس عن السودان في الخارج من خلال سلوكياته، يتمدد سؤال آخر مفاده: “صورة من تلك التي يحملها الرجل معه ويعرضها في الخارج؟” الإجابة تكمن في صورة بورتسودان، سلطة الانقلاب التي تحولت لسلطة الحرب. إدريس هو لسان حال سلطة عبد الفتاح البرهان، وهو ما يبرر حالة الهزال البروتوكولي والخطابي التي يظهر بها رئيس وزراء سلطة الجيش في المحافل الخارجية. هذه ليست عرضًا عابرًا، بل انعكاس صريح لحالة الاضطراب التي أُدخل فيها السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021؛ فحين يختل الداخل، يفضح الخارج عورته: غياب الشرعية وغياب الرؤى، التي برزت في خطاب رئيس الوزراء حين دعا للسلام دون استعداد لمحاورة من يخوض ضده الحرب.

ما حدث لم يكن مستغربًا ولا مجرد ذلة لسان، بل تعبير أكثر دقة عن واقع الحال في سودان الحرب، الذي لا يمكن تمثيله إلا عبر الصورة الباهتة لرئيس وزرائه في المحافل الدولية، وهي الصورة التي نجحت في إخفاء الصورة الزاهية التي بدا العالم في رسمها لسودان ما بعد الثورة وما بعد سقوط نظام عمر البشير. مشاهد اللحظة تنبئ عن خطوات متسارعة لإعادة الساعة والتاريخ للوراء، وإعادة السودان إلى العزلة الدولية.

في ميونيخ، كان الجميع ينتظر من كامل إدريس أن يقدم أطروحته المتماسكة بشأن أزمة الحرب في السودان وكيفية حلها، لكن حديثه المطول عن التاريخ والعظمة أنكر وجود الخصم من أساسه، وأنكر وجود “الدعم السريع” معتبرًا أنه تم حلها! فنفى وجود كيان قانونيًا، بينما يُعترف به عمليًا كطرف تفاوض في جدة والمنامة وجنيف وواشنطن. بالنسبة لإدريس، لا يوجد “دعم سريع”، وهو الواقع الذي أعاد السودانيون رسمه ليؤكدوا حقيقة أخرى: “لا يوجد أمل”، والأمل هو المفردة التي اتخذها إدريس للتعبير عن حكومته بعد تعيينه بواسطة البرهان كمجرد أداء تجميلي لسلطة غارقة في قبح الحرب حتى النهاية.

يغازل السودانيون حلم العبور والانتصار، ويغشى عليهم أن رئيس منظمة الملكية الفكرية السابق سيكون الجسر الذي يعبر بهم نحو الضفة الأخرى، وهو ما حدث عكسه تمامًا. يعود إدريس من برلين إلى الخرطوم ويفعل ما اعتاد عليه: يعقد مؤتمرًا صحفيًا يتحدث عن البشريات ونهاية الحرب عبر مبادرة سلام الحكومة السودانية، في ذات الخرطوم التي يعاني أهلها “المسغبة” من أجل الحصول على الطعام والمياه الصالحة للشرب والكهرباء، وقبل كل ذلك الأمن والأمان.

الخرطوم، التي سبقه إليها الجدل حول تجاوزات وزراء حكومته، وعن إيجار مقار الوزارات بالدولار، وموضوع من يدير الخرطوم: لجنة السيادة التي يديرها الجنرال عضو مجلس السيادة أم حكومة كامل المدنية؟ هل تُدار بالسلاح أم بالوعود بالأمل الذي لا يأتي؟

وفي مطار الخرطوم، حيث عقد إدريس مؤتمراً صحفياً بعد عودته من برلين، واجه أزمة أخرى: نظم مئات العاملين في شركة مطارات السودان المحدودة وقفة احتجاجية داخل المطار، اليوم 15 فبراير 2026، للمطالبة بصرف مستحقات مالية متأخرة منذ نحو ثلاث سنوات. أوضح المحتجون أنهم يطالبون بحصولهم على نحو 80% من حقوقهم المتراكمة، التي توقف صرفها منذ نهاية 2023 بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وهو الحال الذي يتكرر مع مئات آلاف الموظفين السودانيين في القطاع العام، ومع حكومة يدير ماليتها رئيس حركة مسلحة، مؤكدًا على فرضية “المجد للبندقية”، في حين تصبح الأملة عملة لا يمكن تداولها في وجود كامل الذي رفع شعارها.

كامل، الذي بدا أقرب من بوابة الخروج عن المنصب أكثر من أي وقت مضى، فقد قضت منه السلطة رغبتها، أو تيقنت من قام بتعيينه أن المدنية طريق لا يعبر من أمام منزله، الذي حقق حلمه في أن يصبح رئيس وزراء السودان، حتى وإن تبعه وصف “سابق”، فهو لم يكن رئيس وزراء حتى، وَضَجيج السارينا يسبق موكبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى