“39”  حيث بكى القاتل القتيلة 

الاتحاد الافريقي .. وفد السودان يحصد الاستهجان والقمة تجمع على " الوقف الفوري للنار"

عثمان فضل الله
عثمان فضل الله

أديس أبابا – عثمان فضل الله

 سيظل الرقم 39، الذي حملته قمة الاتحاد الإفريقي المنتهية أمس الأحد بعد خمسة أيام متواصلة، رقماً محفوراً في الذاكرة السياسية السودانية. ففي تلك القاعات الهادئة ظاهراً، خاضت حكومة بورتسودان معركتها الأهم: معركة الشرعية، العقدة التي باتت تحرك خطاباتها وتحدد مسافاتها مع الجميع. لم يكن دخول وزير الخارجية السفير محي الدين سالم إلى مباني مجلس السلم والأمن الإفريقي يوم الخميس حدثاً عابراً، بل لحظة مثقلة باستقطاب حاد سبقها، وانقسام صريح حول سؤال واحد: هل يُستمع إلى صوت السودان أم يُترك معلقاً خارج القاعة؟

داخل الكواليس، تشكلت ثلاثة اتجاهات متصارعة: تيار رأى أن الاستماع لوجهة النظر السودانية ضرورة لا غنى عنها قبل أي قرار بشأن إعادة تنشيط العضوية المجمّدة؛ وآخر اعتبر أن بورتسودان لا تمثل السودان، وأن حضور طرف واحد من أطراف الحرب يزج بالاتحاد في مربع الاصطفاف؛ وثالث حسم أمره قانونياً، مؤكداً أن النقاش من الأساس غير مطروح، طالما أن التجميد استند إلى المادة (30) من القانون التأسيسي لعام 2000، التي لا تسقط حتى لو حسمت الحرب لصالح طرف على حساب آخر.

انتهت الجولة بانتصار التيار الأول، بقيادة مصر وبدعم من الجزائر ودول من غرب أفريقيا، سعت ـ كما قال دبلوماسي رفيع من بنين لـ«أفق جديد» ـ إلى هدف أبعد: مقاربة شاملة لملف الدول المجمّدة عضويتها، إلى جانب السودان، وهي مالي، بوركينا فاسو، النيجر، مدغشقر، وغينيا-بيساو.

بهذا المناخ المشحون افتتحت القمة أعمالها، فيما كانت الظلال تتحرك خارج الأضواء. تحركات خجولة لـ”تحالف تأسيس” وصلت إلى أديس أبابا بوفد ضم وزير الصحة في حكومة نيالا د. علاء الدين نقد، وقيادي حركة العدل والمساواة أحمد تقد لسان. وبموازاة ذلك، كان هناك وفد لم تطأ أقدامه مبنى الاتحاد، لكنه فرض حضوره بقوة في حسابات القاعة: وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وضم بابكر فيصل، وخالد عمر يوسف، وبكري الجاك، وشهاب إبراهيم الطيب.

مواقف ثلاث ووفود ثلاث

تلك المواقف الثلاث والوفود الثلاث  جعلت القمة الأفريقية رقم 39   اجتماعا غير روتينيا بل؛ كانت مشهداً حياً للحزن والغضب والرسائل المبطنة. في كلمته أمام اجتماع وزراء خارجية مجلس السلم والأمن الإفريقي، بدا صوت نيجيريا حادًا وواضحًا تجاه ما يجري في السودان. قال وزير الخارجية النيجيري يوسف مايتاما توغار الذي حصلت ” أفق جديد” على نص  كلمته إن المشهد السوداني بالغ التعقيد، وقد تحوّل إلى ساحة دمار شامل، فُقدت فيها الأرواح ودُمّرت الممتلكات على أيدي أطراف النزاع، محذرًا من أن أي انحياز — مهما كانت ذرائعه — سيقوض مصداقية الاتحاد الإفريقي ويفقده دوره كبوصلة أخلاقية وسياسية للقارة.

وأكد الوزير أن لا حل عسكريًا قابلًا للاستمرار في السودان، وأن الرهان على السلاح لن ينتج سوى إطالة أمد الحرب وتعميق المأساة. ودعا أطراف القتال إلى تقديم المصلحة العليا للشعب السوداني، والاستجابة لتطلعاته المشروعة في السلام واستعادة النظام الديمقراطي، بدل الارتهان لمنطق الغلبة والقوة.

وحذّر توغار من خطورة تعدد مسارات السلام والمبادرات الوسيطة، معتبرًا أنها تمنح أطراف النزاع انطباعًا مضللًا بوجود دعم دولي لمواقف غير مقبولة، وتفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة تشجع على التعنت والتصعيد. وأكد أن على هذا المجلس أن يتجنب أي موقف قد يُفهم على أنه إضفاء شرعية على أي من أطراف الحرب، لأن ذلك لا يعقّد التفاوض فحسب، بل قد يدفع البلاد نحو التفكك.

وفيما يتعلق بملف عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، شدد الوزير النيجيري على أن للاتحاد معايير راسخة لا تقبل الالتفاف، وأن إعادة أي دولة عُلقت عضويتها بسبب تغيير غير دستوري للسلطة لا يمكن أن تتم إلا بعد استيفاء تلك الشروط، بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الحسابات الظرفية.

هكذا جاءت الرسالة النيجيرية: لا انحياز، لا شرعنة للحرب، ولا قفز فوق القواعد. سلامٌ يُبنى على توافق وطني، أو لا سلام على الإطلاق.

 وفي ذات في الجلسة التشاورية، رسم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ملامح الدور الذي ترى فيه القاهرة نفسها ضامنًا للاستقرار لا وسيطًا عابرًا. مؤكدا أن هذه الجلسة تمثل مساحة نادرة للحوار المباشر بين مجلس السلم والأمن الإفريقي والحكومة السودانية، مشددًا على أن استقرار السودان لم يعد شأنًا داخليًا، بل ضرورة إقليمية ملحّة لاحتواء تمدد الفوضى والسلاح وتصاعد التهديدات الإرهابية عبر الحدود. وأعرب عن تطلع بلاده لأن تفضي هذه المشاورات إلى رؤية مشتركة تُمهّد الطريق لإنهاء النزاع واستعادة الاستقرار.

واستعرض عبد العاطي ثوابت الموقف المصري: دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية، ورفض أي مساعٍ لتقسيمه أو المساس بسيادته. وجدد إدانة القاهرة للانتهاكات التي شهدتها الفاشر وكردفان، مؤكدًا تضامن مصر الكامل مع الشعب السوداني، والدفع نحو وقف شامل لإطلاق النار، ومسار إنساني فعّال يضمن وصول المساعدات دون عوائق. وفي الوقت نفسه، شدد على تهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة بملكية سودانية خالصة، مع دعم جهود الآلية الرباعية الدولية وتعزيز التنسيق بين مختلف المسارات الإقليمية والدولية.

خطاب المتناقضات

وفي الاتجاه ذاته، قدّم وزير خارجية السودان إحاطة لأعضاء المجلس حول تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، مستعرضًا حجم التحديات والجهود المبذولة للتعامل معها، ومعبّرًا عن تطلع حكومته إلى تكثيف التنسيق والتشاور مع المجلس خلال المرحلة المقبلة، دعمًا لمسار التهدئة، وتعزيزًا للعمل الإنساني، وتمهيدًا لعملية سياسية شاملة تُعيد للسودان أمنه واستقراره.

غير أن دبلوماسيون افارقة تحدثت لهم ” افق جديد” حول مادار في الجلسة التشاورية وجهوا نقدا لاذعا لخطاب وزير الخارجية السوداني مبدين استغرابهم بان السفير محي الدين سالم يعد من الدبلوماسيين السودانيين أصحاب الخبرة في التعامل مع المنظمات الدولية والإقليمية وخاصة الاتحاد الافريقي، معتبرين ان خطابه جاء خارج السياق العام الذي حكم النقاش داخل القاعة. اذ لم يتجاوز في جوهره كونه محاولة لإعادة تسويق رواية رسمية فقدت تماسها مع الواقع الميداني، وهو ما جعل تفاعلات عدد من الدبلوماسيين ـ بحسب مصادر حضرت الجلسة ـ تميل إلى التحفظ الصامت، في ظل فجوة واضحة بين ما قيل داخل القاعة وما ترسمه خرائط السيطرة على الأرض.

وأكثر ما أثار الانتباه طبقا للصحافية النيجيرية مورينيكي أومابويجي،تمثل في إصرار الوزير على توصيف الحرب بأنها في مراحلها الأخيرة، في وقت تفرض فيه قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم إقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، بينما تحتفظ الحركة الشعبية – شمال بنفوذ فعلي في مساحات من جنوب كردفان والنيل الأزرق. هذا التناقض طبقا لمورينيكي التي تحدثت لـ”أفق جديد” جعل حديث الاقتراب من الحسم يبدو، في نظر الحاضرين، أقرب إلى إنكار للواقع منه إلى توصيف سياسي يستند إلى معطيات يمكن التحقق منها.

قراءة تفتقر للتماسك

الخطاب لم يقدم قراءة ميدانية متماسكة، ولم يعترف بتعدد مراكز القوة المسلحة أو بتآكل سيطرة الدولة على أطراف واسعة من البلاد، بل اكتفى بلغة إعلان نصر مبكر، وهي لغة يدرك الدبلوماسيون الأفارقة ـ بحكم تجارب القارة مع النزاعات الممتدة ـ أنها غالبًا ما تسبق انتكاسات أعنف وتعقيدات أكبر، هكذا وصف عضو الأمانة العامة لتحالف صمود شهاب إبراهيم الطيب الخطاب وأضاف لـ” افق جديد” بالقول: الخطاب كرر سردية لم تعد مقنعة للدبلوماسيين الافارقة الذين لاتقل معلوماتهم حول مايجري في السودان عن محي الدين سالم، وختم شهاب حديثه مؤكدا ان حكومة بورتسودان باتت تائهة ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم اجمع لغة السلام تريد هي ان تفرض لغة الحرب وتريد من العالم ان يساندها في استمرار الدمار وهذا لايمكن ان يحدث..

وفي الوقت الذي طالب فيه الوزير بإنهاء ما وصفه بإقصاء السودان من مؤسسات الاتحاد الإفريقي، متجاهلا حقيقة أن تجميد العضوية لم يكن إجراءً معزولًا، بل نتاج مسار سياسي أغلق أفق الانتقال المدني وأدخل البلاد في فراغ دستوري انتهى بحرب شاملة. كما بدا الدفاع عن أحداث الخامس والعشرين من أكتوبر بوصفها غير دستورية نقاشًا قانونيًا منفصلًا عن النتائج الكارثية التي ترتبت عليها، وهو ما لم يجد صدىً يُذكر داخل القاعة.

 ولفت صحافي داعم للجيش كان ضمن الوفد الإعلامي الذي زجت به سفارة السودان الى داخل القمة تحدث لـ” افق جديد” شريطة عدم ذكر اسمه الى ان الاتهامات التي وُجهت إلى أطراف إقليمية قُدمت بلغة أقرب إلى الخطاب التعبوي الداخلي منها إلى منبر قاري يبحث عن حلول عملية، في ظل غياب قرائن قانونية أو مسارات مؤسسية واضحة، ما أضعف أثرها السياسي والدبلوماسي، ولم يخفي الصحافي الذي شغل  في ظل نظام الإنقاذ مناصب شبه دبلوماسية  استيائه من أداء محي الدين سالم امام القمة، مثمنا الجهد الذي بذلته مصر والجزائر لتمكين السودان من العودة مشيرا الى ان الجزائريين بثقلهم والمصرين بخبرتهم بذلوا جهدا جبارا  وبنوا تحالفات ليست ساهلة وشكلوا حضورا مبكرا في اديس ابابا لانجاز هذه المهمة  لكن هزمها سالم وفريقه بالاداء الباهت والتمسك بسردية ضعيفة قائمة على فقه ضرورة المرحلة.

أما الحديث عن تشكيل حكومة مدنية بالكامل، فقد قوبل بتساؤلات صامتة حول طبيعة هذه المدنية في ظل غياب توافق وطني جامع، واستمرار الحرب، وتجزؤ السيطرة، وانقسام المشهد السياسي. بدا الطرح، في مجمله، منفصلًا عن واقع البلاد كما يراه ويتعامل معه الاتحاد الإفريقي وشركاؤه.

مصداقية مفقودة

وعليه، لم يكن الخلل في لغة الخطاب بقدر ما كان في صدقيته السياسية. فمجلس السلم والأمن لا يقيس المداخلات ببلاغتها، بل بقدرتها على الانسجام مع الوقائع. وبين إعلان نهاية حرب لم تنتهِ، وتجاهل خرائط النفوذ الفعلية، بدا الخطاب وكأنه يخاطب سودانًا افتراضيًا، لا السودان الذي يفرض نفسه يوميًا على أجندة القارة بتداعيات أزمته المفتوحة.

القمة الأفريقية التاسعة والثلاثون في أديس أبابا لم تكن مجرد اجتماع بروتوكولي؛ كانت مشهداً حياً للصراع، الحزن، الغضب،   والدبلوماسية المبطنة، طبقا لرؤية الصحافي الموريتاني محمد ولد صباغ   الذي قال لـ” افق جديد” ان الرسائل بالنسبة للسودان كانت واضحة: وقف النار، حماية المدنيين، دعم عملية سياسية وطنية، ورفض أي تقسيم للحكومة. لكنها في الوقت ذاته كشفت عن تباين كبير بين الخطاب الرسمي السوداني والواقع الميداني، وعن تحديات الاتحاد الأفريقي في التعامل مع النزاع الأكثر دموية في القارة اليوم، وسط نفوذ إقليمي معقد ومحاولات أطراف خارجية لاستغلال الأزمة

وأضاف إن نجاح الاتحاد الأفريقي في تحويل هذه القمة إلى منصة للتفاوض المدني والسياسي، يعتمد على قدرته على فرض الوقائع على الأرض، وتحويل الرسائل الدبلوماسية إلى إجراءات ملموسة، بعيدًا عن الشعارات والكلمات المغلفة. ففي النهاية، السودان لا يحتاج إلى خطاب يزيّنه القلم الدبلوماسي، بل إلى قرار حازم وحماية فورية للمدنيين، وإنهاء آلة الحرب التي باتت تهدد القارة بأكملها.

دبلوماسية الإنكار

ووصف دبلوماسيون خطاب محي الدين سالم  بأنه نموذج لـ “دبلوماسية الإنكار”، حيث تم القفز فوق تعقيدات المشهد العسكري وتعدد مراكز القوة المسلحة، دون الإقرار بالتحدي البنيوي أمام الدولة السودانية في بسط سلطتها. وأوضحوا أن محاولة تحميل مجلس السلم والأمن مسؤولية الإقصاء تجاهلت أن قرار تعليق العضوية جاء نتيجة انهيار مسار الانتقال المدني، وهو ما أضعف الخطاب السوداني أمام المؤسسات الأفريقية، التي تولي أهمية أكبر للمسارات السياسية وليس للجدل القانوني المجرد.

هكذا، بين قاعة رسمية تضج بالتحفظات، وأروقة جانبية تمور بالتحركات الصامتة، كُتبت فصول قمة 39: رقمٌ لم يعد مجرد ترتيب زمني، بل علامة سياسية فارقة في مسار السودان المعلّق بين الشرعية والحرب، و تقول ليزل لو-فودران، المستشارة الأولى في مجموعة الأزمات الدولية، إن السودان أصبح اليوم أكبر كارثة إنسانية في أفريقيا. عشرات الآلاف قُتلوا، الملايين نزحوا داخلياً وخارجياً، بينما تستمر آلة الحرب في تحريك نفسها بين مختلف القوى المسلحة: قوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، والقوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى جانب مليشيات محلية متعددة تتقاطع وتتصارع بصمت الخرائط،وفي مخيمات النزوح على أطراف الخرطوم، يمكن رؤية النساء يكدن على حمل أواني المياه عبر الطرق الموحلة، بينما الأطفال يسيرون حذرين بين الحواجز العسكرية المؤقتة، وأحياناً ينقطع الطريق بسبب قذائف أو إطلاق نار عشوائي.

خارج القاعات

حين غادر قادة القارة المبنى الفخم في قلب أديس أبابا، بدا الصمت محيطاً بهم، كأن القاعة ما تزال تحتفظ بحرارة النقاشات التي دارت داخلها. انتهت القمة بهدوء مفاجئ بعد بدايات ساخنة، اصطفت خلالها المواقف، وتبادلت الوفود رسائلها المبطنة، في محاولة لصياغة موقف قاري موحد تجاه أكثر نزاعات القارة دموية: الحرب السودانية المستمرة منذ ربيع عام ألفين وثلاثة وعشرين.

في أروقة الاتحاد ودهاليزه، طُرحت أسئلة ثقيلة، وجاءت الرسائل واضحة وإن غُلِّفت بلغة دبلوماسية محسوبة. “انتصر السودان، وخسرت أطراف الحرب”، هكذا لخصت صحافية نيجيرية ما دار خلف الأبواب المغلقة. وقف فوري لإطلاق النار، توسيع للمساعدات الإنسانية، وعملية سياسية مملوكة للسودانيين، كلها مطالب جرى تثبيتها، لكن مع إبقاء الوضع مجمداً إلى حين تنفيذ خارطة طريق واضحة تعيد البلاد إلى مسارها الدستوري. وفي زاوية بعيدة من النقاش، وصل صدى رسالة غير معلنة: لا اعتراف بأي حكومات موازية، رسالة لا تصرخ لكنها تبلغ نيالا بثقل السياسة وصلابة القرار، كأنها تُنقش على خرائط النفوذ قبل أن تنطفئ الثريات وتُغلق القاعات.

غير أن ختام الجلسات الرسمية لم يكن نهاية الحراك السوداني في أديس أبابا. فنادق المدينة ظلت تعج بوفود وقوى سياسية، بعدما باشرت اللجنة الخماسية، التي خرجت من القمة بدعم معزز باعتبارها القائد الفعلي للعملية السياسية التي أُقرت في البيان الختامي، سلسلة لقاءات مكثفة. هذه اللقاءات شملت، إلى جانب وفد “صمود”، الذي عقد اجتماعَين وصفهما عضو الأمانة العامة شهاب إبراهيم بالمثمرين، طُرحت خلالهما رؤية التحالف للعملية السياسية وآليات إدارتها، مع مطالبة صريحة بالشروع فوراً في تشكيل لجنة تنسيقية مشتركة تضم مختلف القوى السياسية للإعداد للحوار المرتقب.

كما التقت اللجنة وفد تحالف “تأسيس”، إلى جانب وفد مثير للجدل يمثل الكتلة الديمقراطية. وكشف مصدر رفيع في سكرتارية اللجنة أن الاجتماع مع تحالف “تأسيس” شهد غياب ممثلي الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، مقابل حضور الإيقاد والاتحاد الأفريقي، معتبراً أن هذا الغياب يعكس بوضوح موقف المنظمتين من تحالف تحيط به اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة. في المقابل، حضر ممثلو جميع الأطراف الدولية والإقليمية اجتماع اللجنة مع الكتلة الديمقراطية.

وبرأي المصدر ذاته، فإن هذا التباين في الحضور يطرح تساؤلات جدية حول حياد اللجنة الخماسية، وقد يترك أثراً سلبياً على قدرتها على أداء دورها مستقبلاً، إذ يفترض بالوسطاء، وفق الأعراف الدبلوماسية، الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وتجنب إظهار مواقف حدية قد تُقرأ كاصطفاف سياسي في نزاع لم يُحسم بعد.

طريق طويل

في المحصلة، لم تكن قمة أديس أبابا محطة عابرة في روزنامة الدبلوماسية الأفريقية، بل لحظة كشفٍ صريح لحدود الممكن وحدود الوهم معًا. لقد قالت القارة كلمتها بلهجة هادئة لكنها حاسمة: لا منتصر في حرب السودان سوى الخراب، ولا شرعية تُستولد من فوهة البندقية، ولا مستقبل يُبنى فوق أنقاض دولة ممزقة. وبين جدران الاتحاد الأفريقي، تبلورت معادلة جديدة تُمسك العصا من منتصفها: ضغط سياسي بلا انحياز معلن، ووساطة مُعززة لكن محاطة بالألغام، ومسار يُراد له أن يكون سوداني الملكية أفريقي الرعاية دولي الإسناد.

غير أن الطريق، كما بدا واضحًا، لا يزال محفوفًا بالاختبارات. فـ اللجنة الخماسية، التي خرجت من القمة بتفويض أقوى، تقف أمام امتحان الحياد والقدرة على إدارة تناقضات اللاعبين المحليين والإقليميين دون أن تتحول من جسر إلى طرف. والسودان، وهو يغادر القمة بلا حسم عسكري ولا تسوية سياسية، خرج على الأقل بخريطة طريق مرسومة بالحبر القاري، لا بالدم، وبسقف واضح لما هو مرفوض قبل المقبول.

هكذا أسدلت القمة ستارها، لا على نهاية الأزمة، بل على نهاية مرحلة من الالتباس. فالكرة لم تعد في ملعب العواصم وحدها، بل في ملعب القوى السودانية نفسها: إما أن تلتقط هذه اللحظة، بما فيها من ضغط دولي نادر وتوافق أفريقي محسوب، أو تتركها تضيع كما ضاعت فرص سابقة. عندها فقط، سيحكم التاريخ إن كانت أديس أبابا قد شهدت بداية الخروج من النفق… أم مجرد استراحة قصيرة في طريق حربٍ أطول.

Exit mobile version