السودان على مفترق الطرق:بيان الإتحاد الأفريقي ورهان السلام.

محمد عمر شمينا

في الثاني عشر من فبراير 2026، عقد مجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الأفريقي اجتماعه رقم 1330 على المستوى الوزاري في أديس أبابا، وخرج ببيان مهم بشأن تطورات الأوضاع في السودان. ويأتي هذا البيان امتدادًا لسلسلة من القرارات والبيانات السابقة التي أصدرها المجلس، لا سيما تلك المعتمدة خلال عامي 2024 و2025، في ظل استمرار النزاع المسلح وتفاقم تداعياته الإنسانية والسياسية والأمنية.

يكتسب هذا البيان أهمية خاصة لصدوره في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ السودان الحديث، حيث تتواصل المواجهات المسلحة وما يترتب عليها من خسائر بشرية جسيمة ودمار واسع للبنية التحتية وتراجع كبير في مكاسب التنمية. وقد عبّر المجلس بوضوح عن قلقه العميق إزاء استمرار الصراع، مؤكدًا أن البلاد تواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة، في ظل تقارير متزايدة عن المجاعة وانتشار الجوع، خاصة في مدينة الفاشر، الأمر الذي يعكس حجم الانهيار في منظومات الإمداد والخدمات الأساسية.

أبرز ما تضمنه البيان هو الإدانة الصريحة للانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، خصوصًا في إقليم دارفور ومدينة الفاشر، بما في ذلك القتل المنهجي، والنزوح الجماعي، والاستهداف على أساس عرقي، وتدمير المرافق الحيوية. وشدد المجلس على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في إشارة واضحة إلى رفض الإفلات من العقاب وضرورة إرساء أسس العدالة الانتقالية مستقبلاً.

كما أعاد البيان التأكيد على التزام الاتحاد الأفريقي باحترام سيادة السودان ووحدته الترابية وسلامة أراضيه، ورفضه القاطع لأي محاولات للمساس بوحدته السياسية. وفي هذا السياق، جدّد المجلس رفضه لما سُمّي بـ(الحكومة الموازية) التي أُعلن عنها من قبل تحالف سوداني بقيادة قوات الدعم السريع، داعيًا الدول الأعضاء والشركاء الدوليين إلى عدم الاعتراف بها. ويعكس هذا الموقف تمسك الاتحاد الأفريقي بمبدأ الشرعية الدستورية ورفض أي ترتيبات أحادية الجانب قد تؤدي إلى مزيد من التشظي والانقسام.

من ناحية أخرى، دعا المجلس إلى إعطاء الأولوية القصوى للمصالح العليا للشعب السوداني، مطالبًا بوقف إنساني لإطلاق النار يمهد لوقف شامل للقتال، ويفتح الطريق أمام إطلاق حوار سوداني–سوداني شامل، تقوده وتملكه الأطراف السودانية نفسها. وأكد البيان أنه لا يمكن التوصل إلى حل عسكري مستدام للأزمة، وأن السبيل الوحيد للخروج من المأزق الراهن يكمن في تسوية سياسية توافقية تعالج الجذور البنيوية للصراع، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو المؤسسي.

وفي هذا الإطار، رحّب المجلس بالتقدم الذي تحقق من خلال طرح (المبادرة الوطنية السودانية للسلام) في ديسمبر 2025، والتي تضمنت عناصر أساسية مثل الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ودعم اللاجئين والنازحين، ونزع السلاح، وإصلاح القطاع الأمني، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار. واعتبر المجلس أن هذه المكونات تمثل مرتكزات ضرورية لإعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز وحدة الدولة.

كما شدد البيان على مركزية دور الاتحاد الأفريقي في قيادة العملية السلمية في السودان، مع الإشادة بالتنسيق القائم بين الاتحاد وكل من الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي ضمن إطار (الخماسية). ويهدف هذا التنسيق إلى توحيد مسارات الوساطة ومنع تداخل المبادرات، بما يفضي إلى إطلاق حوار سياسي شامل يفضي إلى اتفاق تفاوضي دائم.

ولم يغفل البيان الإشارة إلى خطورة التدخلات الخارجية في الشأن السوداني، حيث أدان المجلس بشدة أي دعم عسكري أو مالي أو سياسي للأطراف المتحاربة، مطالبًا الجهات الخارجية بالكف عن تأجيج النزاع. كما كلّف اللجنة الفرعية المعنية بالعقوبات بتحديد الجهات الداعمة للصراع واقتراح آليات لاحتوائها ضمن جدول زمني محدد، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لأبعاد الصراع الإقليمية والدولية.

على الصعيد الإنساني، وجّه المجلس نداءً إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي لتعبئة الموارد اللازمة لمواجهة الاحتياجات العاجلة للسكان المتضررين، وكذلك لدعم الدول المجاورة التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين السودانيين. كما دعا إلى تسريع صرف التعهدات المالية التي أُعلنت في مؤتمرات جنيف وباريس ولندن، مؤكدًا أن الاستجابة الفعالة للأزمة الإنسانية تمثل أولوية لا تحتمل التأجيل.

كذلك رحّب المجلس بعودة الحكومة الانتقالية السودانية إلى العاصمة الخرطوم، معتبرًا ذلك خطوة مهمة نحو استعادة عمل مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات العامة. غير أن هذه الخطوة تظل رمزية ما لم تُستكمل بترتيبات سياسية شاملة تفضي إلى انتقال مدني ديمقراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة تعيد الشرعية الدستورية.

وفيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، فإنها تمثل ركيزة أساسية لأي عملية سلام حقيقية في السودان. فقد أدت الحرب إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل الجماعي والاغتصاب والنزوح القسري والتدمير المنهجي للبنية التحتية. ومن دون مساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، لن يكون من الممكن بناء الثقة بين الأطراف المختلفة أو ضمان حماية المدنيين في المستقبل. العدالة الانتقالية تشمل تحقيق العدالة من خلال المحاكم الوطنية والدولية، وإصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، وتوثيق الانتهاكات، وتقديم التعويضات للضحايا، بالإضافة إلى إجراءات المصالحة الوطنية التي تسمح للمجتمع السوداني بمواجهة الماضي الأليم والمضي قدمًا نحو دولة أكثر عدلاً واستقرارًا. وبدون دمج هذه الإجراءات في أي تسوية سياسية، فإن أي وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام سيظل هشًا، معرضًا للانهيار عند أول خلاف أو استفزاز عسكري جديد.

وفي تقديري، فإن هذا البيان، على أهميته السياسية والرمزية، يضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرته على الانتقال من مستوى الإدانة وإصدار المواقف إلى مستوى الفعل التنفيذي المؤثر. فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى بيانات داعمة، بل إلى آليات متابعة صارمة، وضغط دبلوماسي منظم، وإطار زمني واضح لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، خاصة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار ومساءلة منتهكي حقوق الإنسان. كما أن نجاح أي مسار سياسي سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات متبادلة وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات العسكرية الضيقة. وإذا لم يُستثمر هذا الزخم الإقليمي والدولي سريعًا، فقد تتجه الأزمة نحو مزيد من التعقيد والتدويل. لذلك تمثل اللحظة الراهنة فرصة حاسمة لإعادة توجيه المسار نحو تسوية سياسية حقيقية، قبل أن يصبح ثمن السلام أعلى بكثير من قدرة الدولة والمجتمع على تحمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى