السودان: من الدولة الريعية إلى اقتصاد الحرب .. رحلة سبعين عامًا من التآكل المؤسسي

بقلم : عمر سيد احمد                                                                

خبير  مصرفي وتمويل  ومالي

 

في قلب أزمة السودان المعاصرة، تكمن قصة اقتصادية ممتدة لسبعين عامًا، لم تكن الحرب الأخيرة فيها إلا كاشفًا لانهيارات بنيوية تراكمت عبر عقود من السياسات الخاطئة والاعتماد على الريع. فمن دولة ناشئة في خمسينيات القرن الماضي تمتلك مشاريع زراعية عملاقة وطموحات تنموية، إلى دولة منهارة مؤسسيًا تسيطر فيها شبكات التهريب والاقتصاد الموازي على مصيرها، يقدم المسار السوداني درسًا قاسيًا في كيفية تحول الموارد من نعمة إلى نقمة.

الريع: نقطة البداية للانهيار

بدأت القصة مع القطن، ثم الصمغ العربي والحبوب الزيتية، حيث اعتمد الاقتصاد السوداني في مرحلته الأولى على تصدير المواد الخام دون بناء صناعات تحويلية حقيقية. كان هذا النموذج امتدادًا للإرث الاستعماري الذي صمم الاقتصاد لخدمة المصالح الخارجية، لا لبناء قاعدة إنتاجية وطنية.

ومع اكتشاف النفط في نهاية التسعينيات، دخل السودان مرحلة جديدة من الريعية. أصبح النفط يشكل أكثر من 60% من الإيرادات العامة، وبدلًا من استثمار هذه الثروة في التنمية والصناعة، تم توجيهها نحو الإنفاق الأمني والجاري. تراجعت الزراعة والصناعة، وضعف النظام الضريبي، وتحولت الدولة من كيان تنموي إلى آلة أمنية تشتري الولاءات السياسية.

لكن الصدمة الكبرى جاءت عام 2011 مع انفصال جنوب السودان وفقدان 75% من عوائد النفط. وهنا بدأت مرحلة جديدة من الريعية، أكثر خطورة وأشد فوضى: ريع الذهب.

الذهب: ريع خارج الدولة

على عكس النفط الذي كان تحت سيطرة الدولة نسبيًا، تحول الذهب إلى مورد خارج سلطتها بالكامل. تشير تقارير دولية إلى تهريب ما بين 70-90% من إنتاج الذهب السوداني سنويًا، في عملية منظمة تديرها شبكات عابرة للحدود تعمل خارج الجهاز المصرفي وبعيدًا عن رقابة الدولة.

هذا الريع “المختطف” خلق بنية اقتصادية موازية كاملة: شبكات تمويل، حوالات غير رسمية، أسعار صرف متعددة، وموارد تغذي جماعات مسلحة ونافذين سياسيين. بدلًا من أن يصبح الذهب أداة للتنمية، تحول إلى وقود للفساد والصراع.

انهيار النظام المصرفي: مرآة الأزمة

لا يمكن فهم عمق الأزمة السودانية دون النظر إلى مصير جهازها المصرفي. فقد مر هذا القطاع الحيوي بتحولات كارثية: من التأميم في السبعينيات، إلى الأسلمة المصرفية في الثمانينيات، ثم الخصخصة المسيسة في عهد الإنقاذ، حيث تحولت البنوك إلى أدوات لخدمة شبكات السلطة.

تراجعت الودائع المصرفية بشكل حاد، وخرجت أكثر من 90% من الكتلة النقدية من النظام المصرفي، واحتفظ الناس بأموالهم في بيوتهم أو حولوها إلى عملات أجنبية. فقدت البنوك وظيفتها الأساسية في الوساطة المالية، وتآكلت الثقة في الجنيه السوداني، وأصبح التمويل يتم عبر قنوات موازية.

ومع اندلاع الحرب عام 2023، جاءت الضربة القاضية: تدمير الفروع، توقف الأنظمة الرقمية، نهب الخزائن، وانهيار كامل للبنية المصرفية. اليوم، يعمل الاقتصاد السوداني بالكامل تقريبًا على النقد اليدوي، في غياب شبه تام لأي نظام مدفوعات حديث.

اقتصاد الظل: الاقتصاد البديل

نتيجة طبيعية لضعف المؤسسات وفقدان الثقة، توسع اقتصاد الظل ليصبح الاقتصاد الحقيقي في السودان. اليوم، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من النشاط الاقتصادي يتم خارج الإطار الرسمي. التجارة، الاستيراد، التصدير، تحويل الأموال – كلها تعمل عبر قنوات موازية لا تخضع لرقابة الدولة ولا تسهم في إيراداتها.

هذا التوسع الهائل لاقتصاد الظل ليس مجرد تهرب ضريبي، بل هو تعبير عن انهيار العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة. فعندما تفقد الدولة قدرتها على تقديم الخدمات، وعندما يصبح الامتثال للقوانين أكثر كلفة من الخروج عليها، يتحول الناس بشكل طبيعي إلى البدائل غير الرسمية.

من اقتصاد الظل إلى اقتصاد الحرب

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن قطيعة مع الماضي، بل كانت تتويجًا له. فقد دخل السودان الحرب وهو يعاني مسبقًا من انهيار الإنتاج، وتفكك المؤسسات، وسيطرة شبكات التهريب على الموارد، وغياب أي مشروع تنموي واضح.

ما فعلته الحرب هو أنها كثفت هذه الديناميات وجعلتها أكثر وضوحًا. اليوم، تسيطر الجماعات المسلحة على مناجم الذهب، وتفرض جبايات على الطرق التجارية، وتدير اقتصادات مناطقية مستقلة. انهارت سلطة الدولة المركزية على الحدود، وأصبح الاستيراد يتم بالكامل عبر السوق الموازي، وظهرت عملات أجنبية متعددة تتنافس مع الجنيه في الأسواق.

باختصار، تحول السودان إلى دولة بلا اقتصاد مركزي، حيث تحل شبكات المصالح المسلحة محل المؤسسات، وحيث تصبح الموارد السيادية وقودًا للصراع بدلًا من أن تكون أداة للتنمية.

الدروس المستفادة

التجربة السودانية تقدم دروسًا مهمة للدول النامية الغنية بالموارد:

أولًا: الريع لعنة حقيقية إذا لم يُدار بحكمة. فالاعتماد على مورد واحد، سواء كان نفطًا أو ذهبًا، يضعف المؤسسات ويقوض الحوافز لبناء قاعدة إنتاجية متنوعة.

ثانيًا: ضعف الدولة الجبائية يعني ضعف الدولة ككل. فالنظام الضريبي ليس مجرد أداة لجمع الإيرادات، بل هو ضامن للمساءلة ولبناء عقد اجتماعي سليم بين المواطنين والسلطة.

ثالثًا: تسييس المؤسسات الاقتصادية – وخاصة البنك المركزي والجهاز المصرفي – يؤدي حتمًا إلى الانهيار. فاستقلالية هذه المؤسسات شرط أساسي لأي استقرار اقتصادي حقيقي.

رابعًا: اقتصاد الظل ليس ظاهرة هامشية، بل هو مؤشر على فشل الدولة. وعندما يتحول إلى البنية الاقتصادية المهيمنة، فهذا يعني أن الدولة فقدت سيادتها الاقتصادية.

هل من طريق للخروج؟

إعادة بناء الاقتصاد السوداني تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات فنية. إنها تتطلب إعادة بناء الدولة نفسها من أساسها:

استعادة السيطرة على الموارد السيادية، وعلى رأسها الذهب

بناء نظام ضريبي حديث يوسع القاعدة الجبائية

إعادة تأسيس جهاز مصرفي مستقل عن السلطة السياسية

تفكيك شبكات الريع والتهريب

بناء مؤسسات مهنية محايدة

إعادة ربط الاقتصاد بالقطاعات الإنتاجية

لكن كل هذا يبقى مستحيلًا دون إرادة سياسية حقيقية، ومشروع وطني واضح، وتوافق مجتمعي على ضرورة الخروج من دوامة الريع والحرب.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يستمر في الانزلاق نحو الهاوية كدولة فاشلة تتقاسمها شبكات المصالح المسلحة، أو أن يبدأ رحلة صعبة وطويلة لإعادة بناء نفسه كدولة حديثة قائمة على الإنتاج لا على الريع، على المؤسسات لا على الشبكات، وعلى عقد اجتماعي جديد يضع التنمية في القلب من المشروع الوطني.

الاختيار صعب، لكنه حتمي.       

**هذا المقال مستخرج من دراسة بحثية موسعة بعنوان “السودان: سبعون عامًا من الاقتصاد الريعي، تآكل الدولة، وصعود اقتصاد الحرب (1956-2025)”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى