
بقلم : لواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس احمد
مستشار نظم وتكنولوجيا تحليل البيانات
مقدمة: إفريقيا الردة الى الانقلابات
شهدت السنوات الأخيرة ومنذ العام 2019 عودة بعض دول القارة الافريقية الى الانقلابات العسكرية مجددا حيث استولى العسكر على مقاليد الحكم في بعض دول الساحل والقرن الإفريقي الأمر الذي يعد انتكاسة واضحة عن مسار التحول الديمقراطي الذي شهدته القارة خلال العقدين الماضيين. العودة للانقلابات العسكرية وتقويض الديموقراطيات الناشئة واجهاض الثورات الشعبية التي تنادي بالحكم المدني جعل افريقيا في مواجهة مباشرة مع التزاماتها القانونية المناهضة لاي صورة من صور الاستيلاء غير المشروع علي السلطة وتفعيل الميثاق الإفريقي للديمقراطية الذي يجرّم هذه الأفعال. التطبيق العملي لهذه النصوص كشف عن فجوة كبيرة بين الواقع والاهداف. ففي الساحل، شكلت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحالفا موازيا للايكواس وخرجت من الأطر الإقليمية التقليدية، بينما تحول السودان إلى ساحة مفتوحة لنزاع دموي وماساة إنسانية هي الأكبر في العالم والى صراع جيوسياسي محموم انعكس على قرارات مجلس السلم والأمن. من خلال تتبع تطور الأطر القانونية القارية، ودراسة حالات دول الساحل، وتحليل البعد الجيوسياسي للصراع في السودان، يسعى هذا المقال إلى تفكيك إشكالية جوهرية: كيف وصلت إفريقيا إلى هذه المفارقة التاريخية التي تجعلها الأكثر تقدما في تجريم الانقلابات والأقل قدرة على مواجهتها في آن معاً؟
جذور الأزمة.. حين تتحول الجيوش لأحزاب سياسية
لا يمكن فهم الموجة الانقلابية التي تجتاح أجزاء من إفريقيا اليوم بمعزل عن الجذور البنيوية التي أنتجت هذه الظاهرة وحافظت على استمراريتها عبر عقود. فالانقلابات العسكرية في القارة ليست مجرد نزوات شخصية لقادة طامحين، بل هي نتاج تفاعل معقد بين إرث استعماري مشوه، وهشاشة مؤسسية مزمنة، وإخفاقات تنموية متراكمة. لقد ورثت دول ما بعد الاستعمار كيانات سياسية هشة، أنشئت بحدود مصطنعة ضمت جماعات إثنية متنافرة او باعدت بين جماعات عرقية متجانسة، فيما تم توريث الجيوش ذاتها كمؤسسات منظمة نسبيا، فانقلبت المعادلة: بات العسكر الأكثر تماسكا في مواجهة فضاء مدني منقسم، وصارت الثكنة مرادفا للبرلمان. من هنا تولدت لدى أجيال متعاقبة من الضباط قناعة بأحقيتهم في “إنقاذ” أوطانهم من فشل النخب المدنية، في خطاب يختزل الديمقراطية في الفوضى، ويقدّم الحكم العسكري بوصفه ضرورة مرحلية.
لكن لم يتحرك العسكر من فراغ، فقد هيأت لهم الإخفاقات التنموية المتكررة مناخا شعبيا قابلا للانقلاب. الفقر المستشري، والبطالة التي تفتك بالشباب، والفساد الذي استنزف موارد الدول، كلها عوامل حوّلت الغضب من سوء الحكم المدني إلى تعاطف مع “البديل العسكري”، خصوصا حينما تعجز الأنظمة الديموقراطية عن توفير الخدمات الأساسية أو تحقيق العدالة الاجتماعية. في هذا السياق، لم يعد الانقلاب مجرد قطيعة دستورية، بل مسنود من قطاعات شعبية واسعة باعتباره ثورة على نخب نهبت المقدرات وفشلت في الوفاء بوعودها. المفارقة أن الأنظمة العسكرية نفسها سرعان ما تعيد إنتاج ذات اخفاقات الأنظمة الديموقراطية بل وربما اسوأ، لكن بريق شعارات الوهلة الاولى عادة ما يمنحها غطاء شعبيا يصمد طويلا.
تتداخل مع هذه العوامل البنيوية تعقيدات هيكلية وقبلية تمتد جذورها إلى سياسات التقسيم الاستعماري. فالحدود المصطنعة التي رسّمها الاستعمار الأوروبي على موائد المؤتمرات، دون مراعاة للواقع الإثني والثقافي، أوجدت دولا تعاني أزمة هوية وطنية جامعة. هذه الأزمة تسللت إلى صلب المؤسسة العسكرية نفسها، فتحولت الجيوش في كثير من البلدان إلى ساحات تنافس محموم بين جماعات إثنية وجهوية تتصارع على النفوذ والموارد. ولم تعد الانقلابات عندئذ مجرد استيلاء عسكري على السلطة، بل باتت أحيانا أدوات لتمكين مكون إثني بعينه على حساب آخر، أو لحماية مصالح مناطق بعينها، مما يضفي على الانقلاب بعدا عرقيا وجهويا يضاعف من تعقيد المشهد ويجعل استعادة الاستقرار أصعب.
أما على المستوى الدولي، فلا يمكن إغفال الإرث الثقيل للحرب الباردة في تشكيل الخريطة الانقلابية الإفريقية. فعلى مدى عقود، لم تكن الانقلابات مجرد شؤون داخلية، بل كانت محكومة بانقسامات القطبين المتنافسين. الغرب والشرق، كل من زاويته الأيديولوجية، دعما أنظمة عسكرية على ولاءاتها لا على أدائها، ووفروا لها الغطاء السياسي والمساعدات المالية والعسكرية، في مقابل قواعد عسكرية أو دعم في المحافل الدولية. هذه البيئة الدولية المشجعة ضخت شرعية للانقلابات، وكرست نمطا من الحكم العسكري بات جزءا من الثقافة السياسية الإفريقية. ورغم انتهاء الحرب الباردة، فإن آلياتها وإرثها ظلا كامنين، يعودان للظهور كلما تراخى الضغط الدولي أو تحولت الأولويات، كما نشهد اليوم من صمت دولي إزاء الموجة الانقلابية الجديدة، أو في تنافس قوى كبرى على ولاءات الأنظمة العسكرية في الساحل.
تطور الأطر القانونية الإفريقية لمواجهة الانقلابات
لم تقف إفريقيا موقف المتفرج أمام الانقلابات، بل طورت منظومة قانونية تعد من الأكثر تقدما في العالم النامي، انتقلت بها من الرفض الأخلاقي المجرد إلى التجريم المؤسسي الملزم. فبعد عقود من الانقلابات المتتالية التي جعلت من القارة ساحة مفتوحة لعدم الاستقرار، أدركت القارة أن مواجهة الظاهرة لا تتم عبر البيانات الاستنكارية وحدها، بل عبر اطر تشريعية تجرّم التغيير غير الدستوري، وتؤسس لآليات رصد وعقوبات، وتضع معايير واضحة للشرعية الديمقراطية. هذا المسار الذي امتد على ربع قرن، من إعلان لومي عام 2000 إلى الميثاق الإفريقي للديمقراطية عام 2007، شكل نقلة نوعية في الوعي القانوني الإفريقي، وحوّل الانقلاب من “حدث وطني” يُبرر بظروفه الداخلية إلى “جريمة قارية” تخضع للمساءلة الجماعية. غير أن هذه المنظومة المتقدمة، كما سنرى، اصطدمت بإشكالية التطبيق غير المتسق، وبتحول الضغوط القانونية إلى أوراق مساومة في صراعات جيوسياسية أوسع.
إعلان لومي: التأسيس المعياري لرفض الانقلابات
يمثل إعلان لومي الذي اعتمدته منظمة الوحدة الإفريقية عام 2000 نقطة التحول المؤسسي في الموقف الإفريقي الجماعي من الانقلابات العسكرية، إذ مثّل أول وثيقة قانونية قارية تجرّم صراحة “التغييرات غير الدستورية للحكومات”. لم يعد الانقلاب مجرد مسألة داخلية تندرج تحت بند السيادة الوطنية، بل بات قضية قارية تخضع للمساءلة الجماعية. وقد وضع الإعلان أربع حالات محددة للتغيير غير الدستوري تشمل الانقلابات العسكرية، وتدخل مرتزقة لقلب حكومة شرعية، وتسليم السلطة لجماعات مسلحة، ورفض الحكومات القائمة تسليم السلطة للحكومات المنتخبة. بهذا، أسس الإعلان لمرجعية قانونية صارمة جعلت من رفض الانقلابات قيمة دستورية إفريقية جامعة، وفتح الباب أمام تطوير آليات أكثر إلزاماً في المراحل التالية.
بروتوكول مجلس السلم والأمن: الانتقال من التجريد إلى المؤسسية
بعد عامين فقط من إعلان لومي وتحديدا في العام 2002م، انتقل الاتحاد الإفريقي من الموقف المبدئي إلى البناء المؤسسي عبر بروتوكول مجلس السلم والأمن الذي مثّل نقلة نوعية في آليات مواجهة الانقلابات. فقد أنشأ البروتوكول هيئة قارية دائمة مخوّلة صلاحية رصد النزاعات والانقلابات، وفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية على الدول المنقلبة، وأهمها تعليق العضوية فوراً. لقد تحوّل الرفض الأخلاقي إلى إجراء عملي، حيث أمسى الانقلاب مكلفا سياسيا واقتصاديا للدولة التي تشهده. بهذا، نجح البروتوكول في ردع بعض المحاولات الانقلابية، وخلق بيئة قانونية تجعل من أي خرق دستوري قضية إفريقية بامتياز، لا سيما مع منح المجلس سلطة تفويض عمليات حفظ السلام والتدخل في حالات الجرائم الخطيرة.
الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد
يُعد الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد لعام 2007 الوثيقة القانونية الأكثر تقدما في المنظومة الإفريقية لمواجهة الانقلابات، إذ تجاوز التجريم إلى فرض عقوبات تلقائية وإجراءات وقائية. من أبرز ما تضمنه حظر صريح لمشاركة قادة الانقلابات في أية انتخابات تالية للاستيلاء على السلطة، وهو ما يقطع الطريق أمام “شرعنة الانقلابات” عبر تحويلها إلى شرعية انتخابية. كما وسّع الميثاق مفهوم التغيير غير الدستوري ليشمل التعديلات الدستورية التي تهدف إلى تمديد فترات الحكم أو إلغاء الحدود الزمنية للولايات الرئاسية. طبّق الاتحاد الإفريقي هذه الآليات بالفعل عقب موجة ما بعد 2019، فعُلّقت عضوية السودان ومالي وبوركينا فاسو والنيجر والغابون. غير أن المشكلة اليوم لم تعد تشريعية بقدر ما هي تنفيذية، فالاتحاد الإفريقي بات يواجه تحديا معقدا في تحقيق الاتساق والتطبيق المتساوي للمعايير، خاصة مع تنامي ظاهرة الانقلابات المضادة وتشكيل الأنظمة العسكرية تحالفات بديلة تُضعف الضغوط القارية الموحدة.
تآكل الردع القاري – دول الساحل اختبارا للهوة بين النص والواقع
إذا كانت المنظومة القانونية الإفريقية تمثل ذروة التطور التشريعي في تجريم الانقلابات، فإن الموجة الانقلابية التي اجتاحت الساحل منذ 2020، وامتدت إلى القرن الإفريقي، كشفت عن تآكل خطير في قدرة هذه الأطر على الردع الفعلي. فقد علّق الاتحاد الإفريقي عضوية كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو فوراً، وطبقت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عقوبات مشددة، غير أن الأنظمة العسكرية لم تتراجع، بل ذهبت أبعد من ذلك بتشكيل “تحالف دول الساحل” ككيان موازٍ يعلن قطيعته مع المنظومة الإقليمية التقليدية. وهكذا تحولت هذه الدول الثلاث إلى مختبر حقيقي لاختبار حدود القانون الإفريقي، حيث انكشفت فجوة مزدوجة: فجوة بين صرامة النصوص ومرونة التطبيق، وفجوة أخرى بين الردع الرسمي للانقلابات وتوفر البدائل الجيوسياسية للأنظمة الانقلابية.
مالي: تعثر العودة إلى الحكم المدني
تُعد مالي المثال الأكثر وضوحاً على محدودية فعالية الأطر القانونية الإفريقية عندما تواجه أنظمة انقلابية مُصرة على التمديد. فمنذ انقلاب 2020، ثم انقلاب 2021، علّق الاتحاد الإفريقي عضوية البلاد وفرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عقوبات اقتصادية قاسية (شملت إغلاق الحدود البرية والجوية، تعليق المعاملات التجارية باستثناء السلع الأساسية، تجميد أصول مالي في البنوك المركزية والتجارية للمجموعة، ووقف المساعدات المالية)، لكن السلطات العسكرية استمرت في تقويض الديموقراطية، وعمدت إلى تعليق نشاط الأحزاب السياسية، وأعادت صياغة الخارطة الانتخابية بما يضمن إطالة أمد المرحلة الانتقالية. وقد أظهرت التجربة المالية أن العقوبات القارية قد تصل إلى حدودها القصوى عندما تمتلك الدولة المنقلبة عمقا شعبيا أو مبررات أمنية تتيح لها حشد التأييد الداخلي، وعندما تستطيع إدارة تداعيات العزلة الإقليمية عبر تحالفات بديلة. لقد تحولت مالي من مجرد حالة انقلابية إلى اختبار حقيقي لفاعلية القانون الإفريقي، حيث انكشفت فجوة واضحة بين صرامة النصوص ومرونة التطبيق.
بوركينا فاسو: إضفاء الشرعية عبر مكافحة الإرهاب
في بوركينا فاسو، تجلّى نمط جديد من إدارة الانقلابات يقوم على توظيف خطاب مكافحة الإرهاب لتبرير تمديد الحكم العسكري وتعطيل المسار الديمقراطي. بعد انقلابي 2022، علّق الاتحاد الإفريقي عضوية البلاد، لكن السلطات العسكرية نجحت في تحويل الضغوط القارية إلى خطاب سيادي مضاد، قوامه أن الأولوية للأمن على الديمقراطية الشكلية، وأن الانتخابات لا يمكن أن تُجرى في مناطق واسعة خارج سيطرة الدولة. هذا التبرير وجد صدى لدى نخب محلية وإقليمية، ما أربك الموقف الإفريقي الموحد وكشف عن تناقض كامن بين مبدأي احترام الدستورية وضرورة استقرار الدول الهشة. لقد استطاع العسكر في بوركينا فاسو توظيف البيئة الأمنية المأزومة لتحويل الانقلاب من قطيعة دستورية إلى ضرورة مرحلية، مما أضعف قدرة الاتحاد على فرض معاييره بشكل متسق.
النيجر: الانقلاب في معقل النفوذ الغربي
انقلاب النيجر، في يوليو 2023، شكل يدوره اختبارا استثنائيا للمنظومة القانونية الإفريقية، ليس فقط لأنه وقع في دولة كانت تمثل آخر حلفاء الغرب في مكافحة الإرهاب بالساحل، بل لأن الرد الإفريقي بلغ فيه التهديد باستخدام القوة العسكرية حدا غير مسبوق. علّق الاتحاد الإفريقي عضوية النيجر فورا، وفرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عقوبات مشددة وهددت بالتدخل العسكري، غير أن المجلس العسكري صمد ونجح في تحويل الأزمة إلى استفتاء على السيادة الوطنية. الأكثر تأثيرا أن النيجر انخرطت سريعا في تحالف استراتيجي مع مالي وبوركينا فاسو، وشكلت معهما “تحالف دول الساحل”، وهو كيان موازٍ يمثل تحديا صريحا لسلطة المجموعة الاقتصادية وللاتحاد الإفريقي معا.
لعل أخطر ما أنتجته موجة الانقلابات الأخيرة هو ميلاد تحالف دول الساحل، الذي أعلنته مالي وبوركينا فاسو والنيجر في سبتمبر 2023 كحلف دفاعي مشترك، ثم تحول لاحقا إلى كونفدرالية سياسية واقتصادية. هذا الكيان الجديد لا يمثل مجرد تكتل عسكري بديل، بل هو إعلان صريح عن أزمة شرعية تطال المنظومة الإقليمية ذاتها. فقد انسحبت الدول الثلاث من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وقطعت علاقاتها التقليدية مع فرنسا، وانفتحت على شركاء جدد، في مقدمتهم روسيا. لقد أضعف هذا التحول نفوذ الاتحاد الإفريقي بشكل مزدوج: أولا، لأنه حرم الآليات القارية من أدوات الضغط التقليدية مثل العضوية والتعاون الاقتصادي، وثانيا، لأنه وفّر للأنظمة الانقلابية غطاءً سياسيا وأمنيا إقليميا بديلاً، ما جعل العقوبات الإفريقية تبدو وكأنها تعاقب دولا لم تعد ترى في انتمائها الإفريقي أولوية وجودية.
السودان… الاختبار الأصعب للمنظومة القانونية الإفريقية
يمثل السودان حالة فريدة ومعقدة في مسار اختبار فعالية الأطر القانونية الإفريقية، إذ انتقلت الأزمة من انقلاب عسكري في أكتوبر 2021 إلى حرب أهلية شاملة في أبريل 2023، مما وضع الاتحاد الإفريقي أمام تحدٍ مزدوج: التمسك بمبدأ رفض التغيير غير الدستوري، ومواجهة عجز مؤسسي عن وقف نزيف الدم وانهيار الدولة. ورغم تعليق عضوية السودان فور الانقلاب، وتفعيل بروتوكول مجلس السلم والأمن، فإن الآليات القارية بدت عاجزة عن منع تدهور المشهد إلى حرب مفتوحة بين الجيش والدعم السريع، لتتحول الأزمة السودانية من اختبار في الردع الانقلابي إلى اختبار قدرة الاتحاد الافريقي على التعامل مع دولة تتفكك تحت أنظار القارة.
قرار فبراير 2026: شرط العودة المدنية الحقيقية
في اجتماع حاسم عُقد في فبراير 2026، وجّه القادة الأفارقة رسالة سياسية وقانونية بالغة الوضوح، برفضهم محاولات إعادة السودان إلى الاتحاد الإفريقي دون استيفاء الشرط الجوهري المتمثل في العودة الواضحة والقابلة للقياس إلى المسار الديمقراطي المدني. هذا القرار، الذي صمد أمام ضغوط دبلوماسية مكثفة قادتها أطراف عربية وإقليمية، حمَل ثلاث رسائل مركزية: الأولى، أن الانقلاب العسكري لا يمكن أن يُشرعن بتقادم الزمن أو بتعقيدات الحرب، والثانية، أن الحكم المدني يظل معيارا جامعا للشرعية السياسية في إفريقيا، والثالثة، أن الأطر القانونية القارية ليست مجرد نصوص جامدة، بل يمكن تفعيلها سياسيا عندما تتوافر الإرادة الجماعية. لقد أعاد القرار الاعتبار لمبدأ التطبيق المتسق للمعايير، خصوصا في لحظة كانت بعض العواصم الإفريقية تميل إلى “الواقعية السياسية” التي تبرر التعامل مع أمراء الحرب بحجة استقرار المنطقة.
التوازن بين الامن والشرعية
ربما يكمن الدرس الأعمق للحالة السودانية في أنها كشفت عن تحول جوهري في طبيعة الأزمات الإفريقية: لم تعد الانقلابات مجرد انتهاكات دستورية يمكن تداركها بعقوبات محدودة وحوارات انتقالية، بل باتت مدخلا لانهيارات دولية شاملة تعجز عنها المنظومة القانونية القارية وحدها. لهذا، يحمل قرار فبراير 2026 قيمة مبدئية عالية، لكنه في الوقت ذاته يختبر قدرة الاتحاد على ابتكار أدوات تدخل فعالة تتجاوز عقوبات العضوية إلى آليات الوساطة الوقائية وبناء السلام وإعادة الإعمار المؤسسي. فالسودان لم يعد فقط اختبارا لصرامة الاتحاد إزاء الانقلابات، بل صار امتحانا لوجوده كفاعل قادر على حماية المدنيين وإنقاذ الدول من الانهيار.
البعد الجيوسياسي: صراع النفوذ في الموقف الإفريقي من السودان
لا يمكن فهم تعقيدات الأزمة السودانية بمعزل عن التنافس الإقليمي المحتدم بين مصر وإثيوبيا، والذي بات يلقي بظلاله الثقيلة على عمل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، حيث تحوّل السودان إلى رهينة جيوسياسية في صراع أوسع يتمحور حول مياه النيل وسد النهضة والبحر الاحمر. تجلّى هذا التقاطع بوضوح في اجتماعات المجلس، إذ تحركت الدبلوماسية المصرية لدعم عودة السودان إلى الاتحاد الإفريقي لإعادة تموضع القاهرة كطرف فاعل في الملف وحماية مصالحها المائية والهيمنة على البحر الاحمر، غير أن هذه التحركات اصطدمت بجدار إفريقي صلب قادته إثيوبيا التي وظفت الأطر القانونية بذكاء دبلوماسي لإفشال أي خطوة قد تُفسر كشرعنة للانقلاب. فتمسك أديس أبابا المتشدد بمعيار “العودة الواضحة للمسار المدني” لم يكن مجرد انحياز لميثاق الاتحاد، بل ورقة ضغط استراتيجية تهدف لإبقاء السودان منشغلاً بحربه الأهلية ومستبعداً من المنظومة القارية، وبالتالي أقل قدرة على المناورة في ملف سد النهضة وامن البحر الاحمر وأقل تأثيراً في موازين القوى الإقليمية. هذه الحالة كشفت عن إشكالية بنيوية في عمل الاتحاد الإفريقي، حيث تتداخل المبادئ الديمقراطية مع الحسابات الجيوسياسية بشكل يصعب الفصل بينهما، فالتشدد في تطبيق المعايير على السودان، وإن كان متسقا مع روح الميثاق، إلا أنه يُقرأ في الخرطوم والقاهرة كإنفاذ لأجندة إثيوبية، في حين أن أي تراخٍ من شأنه أن يفتح الباب أمام شرعنة الانقلابات ويفقد الاتحاد مصداقيته. وهكذا يجد الاتحاد الإفريقي نفسه أسير معادلة صعبة: كيف يحافظ على قدرته على تنفيذ النصوص القانونية دون أن يتحول إلى أداة في صراعات إقليمية لا يملك السيطرة عليها.
اتجاهات مستقبلية: إعادة رسم التحالفات في القرن الإفريقي
ما يحدث في السودان وفي أروقة الاتحاد الإفريقي يعكس تحولات كبيرة في بنية النظام الإقليمي الإفريقي. فالصراع المصري الإثيوبي لم يعد مجرد نزاع ثنائي حول مياه النيل، بل تحول إلى محور رئيسي تعاد على أساسه تشكيل التحالفات في شرق القارة والقرن الإفريقي. السودان، بحكم موقعه الجغرافي وموارده المائية وعلاقاته المركبة مع القاهرة وأديس أبابا، يشكل المحفز الاكبر في هذا الصراع. ولعل أخطر ما تنتجه هذه الوضعية هو تحول الأزمات الداخلية السودانية إلى ساحات مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية، حيث تُقرأ كل خطوة سياسية أو قانونية في الاتحاد الإفريقي من زاوية “من يربح ومن يخسر” في معادلة النفوذ بين الفرقاء. في هذا السياق، يغدو السودان نفسه هامشا في معادلات لا تصنعها نخبه.
خاتمة: بين صرامة القانون وحدود السياسة
تقدم موجة الانقلابات الإفريقية الأخيرة، وما رافقها من تطور تشريعي قاري غير مسبوق، مفارقة لافتة: فالمنظومة القانونية الإفريقية باتت اليوم من بين الأكثر تقدماً في العالم في تجريم التغييرات غير الدستورية، غير أنها في الوقت ذاته تبدو عاجزة عن تحويل هذا التقدم المعياري إلى نفوذ حقيقي على الأرض. فبين نصوص لومي وبروتوكول السلم والميثاق الإفريقي للديمقراطية، وبين واقع مالي وبوركينا فاسو والنيجر والسودان، تتسع الهوة التي تكشف عن أزمة أعمق من مجرد تحديات تنفيذية. إنها أزمة شرعية متبادلة: فالأنظمة الانقلابية لم تعد تخشى عقوبات الاتحاد كما كانت تفعل قبل عقدين، والاتحاد نفسه لم يعد قادراً على فرض معاييره بمنأى عن تقاطعات المصالح الإقليمية والصراعات الجيوسياسية التي تمزق القارة. وما يمثله تحالف دول الساحل من قطيعة مؤسسية، وما تعكسه الحالة السودانية من توظيف للشرعية القانونية في خدمة أجندات جيوسياسية، إنما هو دليل على أن أزمة الانقلابات لم تعد مجرد أزمة حكم في دول بعينها، بل أصبحت مرآة عاكسة لاضطراب النظام الإقليمي الإفريقي برمته. وهكذا، يجد الاتحاد الإفريقي نفسه أمام مفترق طرق: إما أن يطور أدواته من العقوبات الرمزية إلى آليات التدخل الوقائي وبناء السلام وإعادة الإعمار المؤسسي، وإما أن يظل أسير فجوة لا تضيق بين صرامة نصوصه ومرونة سياساته، بين ما يحرمه قانوناً وما يعجز عن تغييره واقعاً. في النهاية، تظل الديمقراطية في إفريقيا رهينة ليس فقط بإرادة النخب المحلية، بل أيضاً بقدرة القارة على بناء نظام إقليمي عادل يضع مصالح الشعوب فوق حسابات النخب، وشرعية الصناديق فوق منطق القوة.
المجموعة الاقتصادية لدول غرب اسيا إفريقيا وتُعرف اختصار ECOWAS)، هي مُنظمة سياسية واتحاد اقتصادي إقليمي يتكون من خمسة عشر دولة تقع في منطقة غرب إفريقيا.