
حوار: سماح طه
في هذا الحوار، يفتح الدكتور يوسف عيدابي، الأكاديمي والناقد والمسرحي السوداني البارز، ملفات شائكة تتعلق بالمسرح السوداني، من التأسيس الأكاديمي، إلى سؤال الهوية، مرورًا بأهمية التوثيق، ودور المسرح في زمن الحرب، مؤكدًا أن أي مسرح لا ينحاز لقضايا الناس اليوم هو «نوع من البذخ غير المقبول».
في حوار خاص ل أفق جديد
بدايةً، نود التعريف بجهودكم في توثيق الحياة المسرحية السودانية.
الحقيقة أن الحديث عن التوثيق لا ينفصل عن العمل المؤسسي. مركز دكتور يوسف عيدابي قام بطباعة ونشر عدد من الكتب، وأقام فعاليات وندوات مهمة، لكن للأسف، وبسبب الظروف الصعبة التي يمر بها السودان، توقفت كثير من هذه الأنشطة.
مع ذلك، أعتقد أن ما تحقق كان توسعًا نوعيًا ومفيدًا للدراسات المسرحية، وللباحثين، وللطلاب، ولكل المهتمين بالنشاط المسرحي السوداني.
على المستوى الشخصي، فالبدايات الأهم كانت في التأسيس المبكر لمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية في السودان. عند عودتي، عملت مساعدًا للأستاذ الماحي إسماعيل ، ولأول مرة قمنا بوضع مناهج معدلة تناسب المستوى الجامعي والمجتمع السوداني، وتؤسس لكيان أكاديمي علمي حقيقي.
بدأنا تدريس مواد لم تكن موجودة من قبل، في التمثيل، والإخراج، والنقد، وطرحنا فكرة مهمة وهي مسرح لعموم أهل السودان.
هذا الشعار ارتبط بسؤال الهوية، كيف تنظرون إليه اليوم؟
هذا الشعار كان مؤثرًا جدًا، لأنه يلامس مسألة الهوية والعرق واللغة، ويمنح حرية واسعة للإبداع.
نجح هذا الطرح في الإذاعة والتلفزيون، ووصل إلى قطاع عريض من الناس، وكان له أثر كبير، خاصة في سياق طرح «الغابة والصحراء».
كنتم أحد مؤسسي تيار الغابة والصحراء، كيف تقيمون تلك التجربة؟
كانت فترة مهمة جدًا، خاصة بعد اتفاقية أديس أبابا وإنهاء الحرب في الجنوب.
المعهد كان مليئًا بالطاقات والاجتهادات التي عملت في تفاهم ثقافي حقيقي. كما عملتُ في ملحق صحيفة «الصحافة»، وكان ملحقًا مؤثرًا في وقته.
هل أثر ابتعادكم عن الحياة المسرحية في السودان لفترة طويلة على تجربتكم؟
بالتأكيد، أثر كثيرًا جدًا.
ما أنجزته في الإمارات كان مهمًا، لكن الإسهام كان سيكون أكبر لو كنت موجودًا في السودان.
غادرت المعهد في فترة بداية التحولات، وتأثرت مسيرتي ككاتب وناقد وشاعر، وما زلت أعاني من هذا الانقطاع حتى اليوم، لأنه أبعدني عن الجمهور وعن علاقات إنسانية ومهنية مهمة.
أنت صاحب فكرة «مسرح لعموم أهل السودان»… هل يمكن تنفيذها في ظل الظروف الحالية؟
هذه الفكرة يمكن تنفيذها في كل الظروف، ولا بديل لها.
سمّوها سودانوية، سوباسوية، أو أي اسم آخر، لكنها في جوهرها تعبير عن مكونات الثقافة السودانية.
هي فكرة تجري في الدم، سواء في شرق السودان أو وسطه، باللغة العربية أو الدارجة أو اللغات المحلية.
مسألة اللغة هنا «سوبر لانغويج»، أي لغة قادرة على التعبير، والمهم هو الذاتية السودانية.
هذا التيار لم يفشل، وأي ادعاء بذلك غير صحيح.
كنتم عميدًا لمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، كيف تنظرون إلى المناهج الحالية؟
المناهج يجب أن تتطور باستمرار، أو تُعدّل بما يناسب البيئة والدور الاجتماعي للمسرح.
نحن نتحدث عن كلية فيها دراسات جامعية وفوق جامعية، ما يستوجب متابعة حقيقية، وبناء بروفايل سوداني خاص يختلف عن المعاهد الأخرى.
في بدايات المعهد، كانت هناك فكرة الدمج بين الأكاديمي والمهني، ماذا حدث لها؟
الفكرة كانت متقدمة جدًا:
أن يكون صانعو الآلات الموسيقية، والمادحون، والحكّاؤون، جزءًا من المعهد، يتعلم الطالب منهم ويصنع معهم.
لكن الخدمة المدنية لم تعترف بهذه الفئات، واعتبرتهم في درجات وظيفية متدنية، فتوقف المشروع.
غلب الجانب النظري، في بلد لا يملك أرضية حقيقية للموسيقى الحديثة، فحدث اضطراب طويل في المناهج.
ما المسرح الذي يحتاجه السودان اليوم؟
نبدأ من الآخر: المسرح أداة اجتماعية.
في زمن الحرب، رأينا المسرحيين يذهبون إلى الناس: للنساء، للأطفال، للنازحين.
ظهر مسرح المشاركة، المسرح التفاعلي، مسرح القضايا، ومسرح المقهورين على طريقة أوغستو بوال.
اليوم نحتاج لمسرح يعالج القضايا المجتمعية والبيئية والاقتصادية والسياسية.
أي مسرح غير ذلك الآن هو بذخ لا نريده.
حدثنا عن جهود الهيئة العربية للمسرح تجاه السودان؟
الهيئة أسسها حاكم الشارقة لدعم المسرحيين العرب، بما يخدم مسارح المنطقة.
بالنسبة للسودان، رأت الهيئة أن البلاد بحاجة للرعاية في مجال المسرح، فقامت بورش، وطباعة كتب، وإقامة مهرجان المسرح الوطني.
في السودان اليوم هناك 37 عنوان كتاب، لكن لسوء الحظ لم يطالب السودانيون بالورش أو الإنتاجات بشكل كافٍ، رغم استعداد الهيئة الكامل للدعم.
الهيئة مقتنعة أن تنوع السودان الثقافي والمسرحي قد يؤثر إيجابًا على المسرح العربي بشكل عام، وبالتالي على تطور المسرح في المنطقة .
النقد المسرحي والنصوص
هل أجاب الملتقى الفكري على سؤال النقد في المسرح العربي ؟؟
النقد المسرحي في الوطن العربي له تاريخ طويل، لكنه مشتت وغير مؤرشف، خاصة الأعمال المنشورة في الصحف والمجلات خلال 130 سنة الماضية.
من المهم العمل على أرشفة الجهود النقدية وربطها بمراكز أبحاث لدعم الدراسات المسرحية.
أما النص المسرحي، فالمسألة تتعلق بالبيئة والظرف الاجتماعي والتاريخي.
في بعض الحالات، تكون العامية الأنسب للتواصل مع الجمهور، كما فعل عدد من المسرحيين العرب في الستينيات والسبعينيات.
مع ذلك، المهرجانات تفضل غالبًا النصوص بالفصحى، لكن الأمر مرن ويعتمد على المزاج الثقافي والبيئة.
معايير اختيار العروض المشاركة هي الأصالة، الجودة، التقنيات، المهنية العالية، الموضوع الشيق، والرؤية الإنسانية.
رسالة الدكتور يوسف عيدابي للمسرحيين السودانيين؟؟
«واصلوا الإبداع رغم الظروف، لأن الإبداع هو القارب إلى النور. أقدّر بشدة المسرحيين السودانيين الذين يعملون رغم معاناتهم، من أجل الأطفال، النساء، وكبار السن. يسهرون الليل لتقديم أعمال للوطن الجريح، في سبيل الحرية والعدل والسلام. لهم خالص التقدير.»