«غرقي في بحر الفساد: مآسي النيل بين الرفاسات والصفقات المشبوهة

أفق جديد
في أغسطس من عام 2018، انفتح في ذاكرة السودان جرح لا يندمل؛ حين ابتلع النيل صغارًا في منطقة المناصير، وهم يعبرون إلى مدارسهم، حالمين بيوم عادي يشبه أحلامهم الصغيرة. كانت الفاجعة أكبر من أن تُروى، وأقسى من أن تُحتمل؛ وظل السودانيون يرددون بحزن بالغ صورة تلك الأم المكلومة التي فقدت أربعة من فلذات كبدها، وهي تحتضن رضيعتها وتهمس بوجع يمزّق القلوب: «دي الفضلت لي».
غير أن الفواجع في السودان لا تأتي فرادى؛ بل تُسلّم إحداها إلى أخرى، كأنها حلقات في سلسلة الإهمال الطويلة. فغرق مركب ليس إلا تمهيدًا لغرق آخر في ذات نهر اللامبالاة، حيث تغيب أبسط مقومات السلامة، وتعلو مقولة «توكل» بلا تعقّل، وكأن الأخذ بالأسباب ترف لا ضرورة.
في محلية شندي، بين طيبة الخواض وديم القراي، مضى أكثر من سبعة وعشرين نفسًا إلى مصير موجع، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، بعدما انقلب بهم مركب نهري في عرض الماء. انتُشل بعضهم من بين أنياب النهر، ونجا قليلون، فيما ظل آخرون في عداد الغياب، تتعقبهم عيون الأهالي وفرق الإنقاذ على ضفاف أثقلها الانتظار. كانوا يعبرون لأداء واجب عزاء، فإذا بالنيل يقيم لهم عزاء آخر في وطن تتناثر خيام مآتمه على امتداد جغرافيته.
ولم تكد مأساة نهر النيل تبلغ خاتمتها حتى دوّى خبر جديد من ود الزاكي بمحلية القطينة في ولاية النيل الأبيض. قارب «رفاس» تقليدي، يحمل عابرين من الصوفي غرب النيل إلى ود الزاكي شرقًا، انقلب هو الآخر، فحصد أرواح أربعة، بينهم ثلاث نساء، وترك ثمانية بين مفقود ومترقب. وهكذا تتكاثر الأرقام، وتتحول الأرواح إلى إحصاءات، في بلاد أنهكها ضعف وسائل النقل وغياب الالتزام بشروط السلامة. إنهم ضحايا «الرفاسات» أو، إن شئنا الدقة، موتى الإهمال.
ووفق ما أوردته وكالة الأنباء السودانية «سونا»، فقد قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، واجب العزاء في ضحايا حادثة ديم القراي – طيبة الخواض، معربًا عن تضامنه مع الأسر الثكلى، ومؤكدًا أن ما حدث «مشيئة الله وكلها أقدار»، مع التعهد بعدم تكرار المآسي ومعالجة الأخطاء البشرية وتوفير الخدمات الضرورية.
غير أن الأقدار، وإن كانت حقًا، لا تُغني عن واجب الحيطة، ولا تُسقط مسؤولية التدبير. فالأوطان لا تُصان بالتعازي وحدها، ولا تُجفف دموعها بالتصريحات، بل تُحمى بإرادة تُعلي قيمة الإنسان، وتُحسن الأخذ بالأسباب، حتى لا يبقى النيل شاهدًا متجددًا على حكايات الغرق، ولا تتحول ضفافه إلى سجل مفتوح لأسماء كان يمكن أن تواصل الحياة.
في أروقة السلطة، يتعهد رئيس مجلس السيادة بعدم تكرار المآسي ومعالجة الأخطاء البشرية، وليست بعيدًا عن سياق ذلك أن من حصدت أرواحهم المراكب التقليدية، حدث ذلك لغياب “الجسور الرابطة بين ضفاف الأنهار”.
في بلد تتشابك فيه مصالح السلطة مع مصالح الأفراد، ويبدو الفساد فيه شريكًا دائمًا في إدارة المشاريع الكبرى، يتجلى السؤال الأبرز: من يقف وراء العقود الضخمة والتجاوزات المستمرة؟
وفي وقت يتزايد فيه التساؤل حول من هو إبراهيم بلة، الرجل الذي استحوذ على عقد صيانة جسر الحلفايا بمبلغ 11 مليون دولار، في صفقة أعادت صياغة التعبير الشعبي من “ما عدا سوبا والحلفايا” إلى “ما عدا الكيزان”، أثار توقيع هيئة الطرق والجسور لعقدين مع شركتي إتقان للاستشارات الهندسية وللإنشاءات لإعادة تأهيل الجسر موجة عارمة من الجدل والانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وسط اتهامات صريحة بغياب الشفافية وتجاوز الضوابط القانونية المنظمة للمشاريع القومية.
وقد بلغت قيمة التعاقد المعلنة نحو 11 مليون دولار، ما يعادل قرابة 42 تريليون جنيه سوداني، وهي تكلفة اعتبرها مراقبون باهظة جدًا لعملية “إعادة التأهيل”. وما زاد من حدة الانتقادات هو إبرام الصفقة عبر “التعاقد المباشر” دون طرح عطاءات عامة أو فتح باب المنافسة بين شركات المقاولات، وهو الإجراء الذي تتبعه الدول التي تعتمد معايير الحوكمة لضمان جودة العمل، تقليل التكلفة، ومنع الاختلاس.
بدأت شركة إبراهيم بلة العمل في صيانة الجسر حتى قبل توقيع العقود مع الحكومة، وصاحب الشركة كان متعهد صيانة الجسور في حقبة نظام البشير المخلوع، كما كشف ناشطون أن ابنه، الذي وقع العقود، هو صهر نائب الرئيس المعزول عثمان محمد طه.
في الوقت الذي تغمر فيه المياه أجساد السودانيين بالغرق، تتحول عمليات إعادة صيانة الجسور التي دمرتها الحرب إلى باب آخر من أبواب الفساد وأموال تُضخ في جيوب “المحاسيب”، أولئك الذين جعلوا من الحرب نفسها آلية أخرى لتضخيم الأموال في حساباتهم الخاصة.
أكثر من عشرين سودانيًا وسودانية قضوا غرقًا، وغمرهم الموت، والحدث نفسه يتحول إلى مجرد أداة لتعزيز “النفوذ” السياسي، حيث يتقاطر السياسيون يسبقهم توصيف كونهم “منقذين”، يطلبون المزيد من الدعم والمزيد من هتافات المناصرين، كوهْم آخر في بلد حقيقتها الوحيدة أن أرخص ما فيها أرواح شعبها، الذي يموت بقصف الطيران من السماء، وتنتاشه المدافع في اليابس، وحين ينزل البحر تغمره المياه، كموت رحيم في أرض لا تهبهم غيره





