التلغراف تكشف المهمة المستحيلة.. دعوة عالمية لترميم “سيارة ” الملكة إليزابيث المهشمة في مجمع القصر الجمهوري

كريج سيمبسون – التلغراف
تقف سيارة الرولز رويس فانتوم المكشوفة اليوم في باحة القصر الجمهوري بالخرطوم كجسد جريح يروي فصولاً من تاريخ السودان المتقلب، فبعد عقود من كونها أيقونة للبروتوكول الملكي، تحولت هذه السيارة الكلاسيكية إلى هدف لطلقات الرشاشات خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عام ألفين وثلاثة وعشرين. هذه السيارة التي استقلتها الملكة الراحلة إليزابيث الثانية خلال زيارة الدولة التاريخية للسودان في عام ألفين وتسعمائة وخمسة وستين، باتت تعاني من أضرار جسيمة طالت هيكلها العريق، بينما اختفى شعار “روح النشوة” الشهير من مقدمتها، وسط ترجيحات بأنه تعرض للكسر أو السرقة كخردة معدنية خلال عامين من سيطرة قوات الدعم السريع على مجمع القصر ومتاحفه.


وفي ظل المساعي السودانية لترميم ما دمرته الحرب، أطلق وزير الإعلام السوداني خالد علي العيسير نداءً موجهًا إلى عشاق السيارات الكلاسيكية والخبراء في بريطانيا، داعياً إياهم للمساهمة في رحلة إحياء هذا الجزء من التراث المشترك. ويأتي هذا النداء في وقت تفتقر فيه البلاد إلى الخبرات الميكانيكية المتخصصة وقطع الغيار النادرة التي لا توجد إلا في مرائب وهواة المقتنيات العتيقة في المملكة المتحدة. فالسيارة لم تكن مجرد وسيلة نقل، بل كانت رمزاً لأول زيارة ملكية للسودان بعد استقلاله عن بريطانيا، حيث طافت شوارع العاصمة وهي تحمل الملكة وإلى جانبها الرئيس السوداني التيجاني الماهي وسط احتفالات شعبية وقبلية عارمة وثقتها السينما العالمية آنذاك.
ويرى المسؤولون عن متحف القصر أن استهداف مجموعة السيارات الرئاسية الرمزية لم يكن مجرد صدفة ناتجة عن تبادل إطلاق النار، بل قد يكون عملاً تخريبياً متعمداً طال الهوية الثقافية للدولة. ومع عودة الوزراء إلى أنقاض الخرطوم في مطلع العام الجاري، بدأت تتضح معالم الكارثة الثقافية التي حلت بالمتاحف الوطنية والإثنوغرافية، حيث نُهبت آلاف القطع الأثرية وبيع بعضها في الأسواق السوداء. وتضع الحكومة السودانية ترميم هذه السيارة ضمن أولويات الرمزية الثقافية، آملة في الحصول على دعم من وزارة الثقافة والرياضة البريطانية والمجلس الثقافي البريطاني، الذي سبق وساهم في ترميم مواقع تاريخية أخرى مثل مسجد سواكن وحديقة السلام في كسلا.
إن معركة إنقاذ “فانتوم” الملكة إليزابيث  تمثل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الذاكرة الوطنية السودانية التي تضررت بشدة جراء الصراع. وبينما تقدر الأمم المتحدة تكاليف إعادة إعمار العاصمة بمئات الملايين من الدولارات، يبقى ترميم المواقع المرتبطة بتاريخ السودان السياسي، مثل القصر الجمهوري القديم الذي شهد مقتل الجنرال غوردون، تحدياً يمزج بين السياسة والتراث والبحث عن الدعم الدولي لإنقاذ ما تبقى من شواهد العصر الذهبي للخرطوم قبل أن تطويها سنوات الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى