كنت أظن نفسي أبيضاً حتى فضحتني المرآة.. قصة مؤثرة لكندي من جذور سودانية هزّتها مأساة وطنية

نقلاً عن الإذاعة الكندية (CBC) 

في شهادة شخصية نُشرت عبر برنامج “الشخصية الأولى” على قناة CBC، يقدّم الفنان ميغيل فينريش سردًا إنسانيًا عميقًا عن نشأته في ريف مقاطعة ساسكاتشوان، وكيف أعادت حادثة وطنية كبرى تشكيل فهمه لذاته وهويته العرقية.

فينريش، وهو فنان أسود البشرة يعيش في منطقة المعاهدة رقم 6 في ساسكاتون، نشأ في بيئة ريفية يغلب عليها الطابع الأبيض، وسط عائلة منحدرة من أصول أوروبية. لم يعرف والده السوداني، ولم يكن على تماس مباشر مع جذوره الإفريقية، الأمر الذي جعله يتبنى منذ طفولته تصورًا بسيطًا لهويته: كان يرى نفسه أبيض، وإن ببشرة سمراء.

طفولة بين الانتماء والإنكار

في المزرعة العائلية، كانت الحياة تسير بإيقاع مألوف: جلسات لعب الورق، أحاديث الزراعة، تجمعات الجيران، وروابط اجتماعية وثيقة. داخل هذا الإطار، لم يُطرح سؤال الهوية بشكل مباشر، بل ظل معلقًا في الخلفية.

ورغم محاولات العائلة تعريفه بجذوره السودانية — من خلال كتب الأطفال أو حضور مهرجانات ثقافية — فإن هذه التجارب لم تمنحه شعورًا بالانتماء. على العكس، زادت إحساسه بالاختلاف. في أحد المهرجانات السودانية، شعر وكأنه مراقب من الخارج، محاط بعائلة بيضاء في فضاء ثقافي لا يعرفه، ولا يعرف كيف ينتمي إليه.

هذا التناقض المبكر زرع بداخله شعورًا بالاغتراب. لم يكن يرى نفسه مطابقًا تمامًا لصورة عائلته، لكنه في الوقت ذاته لم يكن يمتلك مرجعية ثقافية بديلة يستند إليها.

حادثة كولتن بوشي: لحظة انكشاف

التحول الجذري في وعي فينريش جاء بعد حادثة إطلاق النار التي راح ضحيتها الشاب من السكان الأصليين كولتن بوشي عام 2016، على يد المزارع جيرالد ستانلي.

وقعت الحادثة على بعد نحو 50 كيلومترًا فقط من مزرعة عائلته، لكنها سرعان ما تحولت إلى قضية وطنية أثارت جدلًا واسعًا حول العدالة والعنصرية في كندا. بالنسبة لمراهق يعيش في بيئة ريفية محافظة، لم تكن القضية مجرد خبر عابر، بل مرآة عكست خطابًا كان يتردد حوله منذ سنوات.

في أعقاب الحادثة، تصاعدت في محيطه أحاديث عن “المهاجرين الذين يأخذون وظائفنا” و”السكان الأصليين الذين يستنزفون أموال الضرائب”. فجأة، لم يعد السؤال نظريًا: أين يقف هو في هذا الانقسام بين “نحن” و”هم”؟

صدمة الحكم وبراءة ستانلي

في فبراير 2018، أصدرت المحكمة حكمها ببراءة ستانلي من تهمتي القتل العمد وغير العمد. أثار الحكم موجة غضب واحتجاجات في أنحاء البلاد. بالنسبة لفينريش، الذي كان يبلغ الخامسة عشرة آنذاك، شكل الحكم لحظة فاصلة.

بدأ يدرك أن محاولته الاندماج الكامل في محيطه — عبر تبني عاداته وتفضيلاته — قد لا تحميه من نظرة المجتمع التي تراه مختلفًا. طرح على عائلته سؤالًا مؤلمًا: لو لم يولد بينهم، هل كانوا سيرونه كآخر؟ الإجابة لم تكن كلمات واضحة، بل صمت طويل ترك أثرًا عميقًا في نفسه.

تجربة فينريش لا تتعلق فقط بالعنصرية المؤسسية أو الخطاب العام، بل بأزمة انتماء شخصية. فهو لا يشعر بأنه أبيض بالكامل، ولا يمتلك ارتباطًا ثقافيًا عميقًا بجذوره السودانية. هذا الشعور بالتيه أصبح جزءًا من هويته ومن مسيرته الفنية، حيث يستكشف في أعماله موضوعات المجتمع والرعاية والانتماء.

مع مرور الوقت، بدأ يعيد تعريف مفهوم “الوطن”. لم يعد الوطن مرتبطًا بالمرآة أو بلون البشرة أو بالمائدة العائلية، بل بإحساس داخلي بالسلام. تعلّم العناية بشعره المجعد، واحتضان ملامحه، والتصالح مع حالة الانتقال التي يعيشها بين ثقافتين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى