ضجّت الأسافير في الأيام الماضيات بخبر تدخل القائد العام للقوات المسلحة لإلغاء أحكام قضائية صدرت بحق امرأتين، إحداهما في ولاية سنار والأخرى في الخرطوم. الخبر، في ظاهره، بدا كواقعة محدودة مرتبطة بحكمين مثيرين للجدل، لكن ما لبث أن تحوّل إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق وأخطر، تتجاوز موضوع الأحكام نفسها، وتمس جوهر فكرة الدولة ووظيفتها وحدود سلطاتها.
لسنا هنا بصدد الخوض في مشروعية الرجم من عدمها، ولا في تأييده أو رفضه، فذلك نقاش فقهي وقانوني وأخلاقي طويل، له ساحاته وأدواته وأهله، وقد استُهلك بما يكفي ليصعب إضافة جديد ذي معنى. كما لسنا معنيين بتقديم مرافعة عن القاضي الذي أصدر الحكم أو عن الجهة التي ألغته. ما يعنينا، وما يستحق الوقوف عنده طويلًا، هو الإطار الذي جرت فيه الواقعة، والدلالة السياسية والمؤسسية التي لا يمكن تجاهلها.
أول ما يفرض نفسه هنا هو سابقة أن يُلغى حكم قضائي بتدخل مباشر من قائد عسكري، أيًا كان توصيف الحكم أو فداحته أو خطأه. فمجرد حدوث ذلك يضعنا أمام سؤال صريح لا يحتمل المراوغة: أين تقف السلطة القضائية؟ وأين تبدأ وتنتهي صلاحيات المؤسسات في بلد يُفترض – نظريًا على الأقل – أنه ما زال يحتفظ بشكل من أشكال الدولة؟
الأكثر إرباكًا أن هذا التدخل لم يأتِ في سياق مراجعات قانونية داخلية، أو عبر درجات التقاضي المعروفة، أو من خلال مؤسسة عدلية مختصة، بل جاء بعد أن تحركت دوائر إعلامية وحقوقية خارجية، سلطت الضوء على الأحكام بوصفها انتهاكًا صارخًا، ما وضع السلطة القائمة في موضع حرج أمام الرأي العام الدولي. وهنا لا يعود السؤال عن الحكم ذاته، بل عن معيار التحرك: هل تتحرك الدولة بدافع القانون، أم بدافع الضغط الخارجي؟
غير أن اختزال المسألة في هذه النقطة وحدها يُفقدنا رؤية الصورة الأكبر. فهذه الواقعة ليست شذوذًا في مسار طبيعي، بل حلقة من سلسلة طويلة من مظاهر الانهيار المؤسسي الذي تشهده البلاد منذ اندلاع الحرب، وربما قبلها. إنها نتيجة منطقية لدولة فقدت توازنها، وتآكلت أجهزتها، وتوزعت سلطتها بين قوى متعددة، لا يجمع بينها قانون ولا تضبطها مرجعية واحدة.
الناظر إلى واقع السودان اليوم يدرك أن الحديث عن دولة موحدة بالمعنى المتعارف عليه بات أقرب إلى المجاز. في الشرق، على سبيل المثال، لم تعد القرارات المصيرية – كفتح وإغلاق الموانئ أو تعطيل مؤسسات حيوية – تصدر عن سلطة مدنية أو تنفيذية واضحة، بل باتت رهينة لمجموعات مسلحة قادرة على فرض إرادتها بالقوة. الاقتصاد الوطني نفسه صار ورقة ضغط في يد من يملك السلاح، لا من يملك التفويض القانوني.
وفي الوسط، تتجلى الأزمة بصورة أكثر وضوحًا. فالمشهد هناك يكشف عن تراجع فعلي لدور الجيش كمؤسسة مركزية لصالح كيانات مسلحة أخرى، باتت تمارس سلطة الأمر الواقع، تتحكم في تفاصيل الحياة العامة، وتفرض سطوتها على المواطنين، دون مساءلة حقيقية أو إطار قانوني منضبط. الدولة هنا لا تحكم، بل تُزاحم، وغالبًا ما تُهزم.
أما في الشمال ونهر النيل، فالصورة لا تقل قتامة. مجموعات مسلحة متعددة المسميات، تتحرك تحت عناوين مختلفة، لكنها تشترك في سمة واحدة: العمل خارج القانون أو فوقه. المواطن في هذه المناطق يعيش تحت وطأة واقع لا يستطيع فيه الاعتراض أو التعبير عن رأي مخالف دون خشية من العواقب. القانون، إن حضر، حضر بوصفه غطاءً، لا مرجعية ملزمة.
في ظل هذا الواقع، يصبح من الطبيعي – وإن كان خطيرًا – أن تتشوه العدالة، وأن تصدر أحكام صادمة، وأن تُلغى بأدوات لا تقل صدمة. فالقضاء، مثل غيره من مؤسسات الدولة، لا يعمل في فراغ. وعندما تنهار المنظومة السياسية والأمنية، ويفقد ميزان الفصل بين السلطات، فإن أول ما يتصدع هو العدالة.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه واقعة أحكام الرجم لا يتعلق بالرجم ذاته، بل بسياق الدولة التي تسمح بصدور مثل هذه الأحكام، ثم تسمح بإلغائها بهذه الطريقة. إنها دولة فقدت آليات التصحيح المؤسسي، فلم يعد الخطأ يُعالج بالقانون، بل بالاستثناء. ولم يعد الخلل يُواجه بالإصلاح، بل بالقرارات الفوقية.
الخطر الأكبر في هذا المسار هو اعتياده. أن نعتاد أن تُدار شؤون العدالة بردود الفعل. أن نعتاد أن يكون التدخل العسكري بديلًا عن القضاء. أن نعتاد أن يُختزل مفهوم الدولة في أشخاص، لا في مؤسسات. هذا الاعتياد هو ما يحول الأزمة من حالة طارئة إلى بنية مستقرة يصعب تفكيكها.
إن ما يُطرح اليوم، بصرف النظر عن المواقف من هذا الحكم أو ذاك، هو سؤال مصيري: هل نريد دولة تُدار بالقانون أم بمنطق القوة؟ دولة تحتكم إلى مؤسسات واضحة أم إلى مراكز نفوذ متحركة؟ دولة يكون فيها المواطن محميًا بحقوقه، أم متروكًا لتقلبات السياسة والسلاح والإعلام؟
قبل أن ننشغل بمصير امرأتين كادتا أن تُنفذ فيهما أحكام قاسية، علينا أن نتوقف عند مصير الدولة نفسها. فالدولة التي تُفرغ من مضمونها، وتُفكك سلطاتها، وتُختزل في ردود أفعال، هي دولة تُرجم كل يوم، لا بحجارة، بل بقرارات مرتجلة، وسلطات متداخلة، وصمت عام يهدد بابتلاع ما تبقى من معنى الوطن.
هذه ليست دعوة لاتخاذ موقف من حكم بعينه، بل دعوة لمواجهة الحقيقة الأثقل: لا عدالة بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات في ظل الفوضى المسلحة. وما لم يُوضع هذا السؤال في صدارة النقاش، فستظل القضايا تُدار عرضيًا، بينما الأصل ينهار في صمت.