كيف إلتقت الصهيونية مع شعبوية الإخوان المسلمين في تدمير الدولة الوطنية؟؟

بقلم : أحمد عثمان محمد المبارك
في أدبيات السياسة المعاصرة، تبرز مقارنة مثيرة للجدل بين الحركة الصهيونية وحركة الإخوان المسلمين، فرغم العداء الظاهر والمستحكم بين الطرفين، إلا أن مدرسة النقد السياسي ترى تشابهاً جوهرياً من الناحية الوظيفية والأليات السياسية المشتركة، مع فارق جوهري وتناقض صارخ في مفهوم الوطن والحدود. إلا أن الفجوة الكبرى بين المشروعين تتمثل في النظرة للأرض والسيادة، فالصهيونية حركة قومية متطرفة قامت على فكرة تقديس الأرض وجمع شتات اليهود في بقعة جغرافية محددة لبناء دولة يهودية وطنية، بمفهومهم العنصري. إذا الوطن لدى الصهيونية غاية ومركز، والحدود عندهم يحب أن ترسّم وتحمى… اما فكرة الاخوان المسلمين فتنطلق من مبدأ (لا وطن للمسلم إلا عقيدته). والوطن لديهم، (خاصة عند سيد قطب)، هو “حفنة من تراب بلاقيمة” إذا تعارض مع مشروع الخلافة. لذلك نجد أن هدف الاخوان هو إذابة الحدود الوطنية وتفكيك الدولة لصالح كيان هلامي عابر للقارات، والوطن ليس غاية بل مجرد وسيلة ومنصة انطلاق أو مورد مالي لخدمة الجماعة والتنظيم.
وهناك من الكتاب ما يصف الاخوان المسلمين (بصهاينة الأسلام)، ويعتبر الكاتب والباحث السياسي المصري أسامة الدليل من أبرز من روج لهذا المصطلح حيث يرى ان الاخوان المسلمين هم “الوجه الإسلاموي للصهيونية”… ويأتي هذا الوصف ليس لتماثل الأهداف، بل لتماثل السلوك الإقصائي.. كذلك عقد الباحث في شؤون الجماعات الاسلامية والمنشق عن جماعة الاخوان المسلمين، (ثروت الخرباوي) في كتابه الشهير “سر المعبد”، مقارنة بين بروتوكولات حكماء صهيون وبين (أدبيات التمكين) عند جماعة الإخوان. فهو يرى أن الجماعة تعمل بعقلية “المجتمع المغلق” الذي يرى نفسه شعباً مختاراً وسط غابة من “الجاهلية”، وهو نفس المنطق الانفصالي الذي قامت عليه الصهيونية…
فكما يرى الصهاينة في أنفسهم (شعب الله المختار)، يرى الإخوان المسلمين انهم (الجماعة المختارة لقيادة الأمة)، وما سواهم فئة ضالة وجاهلة يجب محاربتها.
وكلاهما (أي الصهيونية والاخوان) لا يتردد في استخدام العنف المنظم، والتهجير، أو إثارة الفتن لتثبيت أركان التنظيم، ويمارسون ذلك من خلال شبكات دولية تضغط على الحكومات وتخترق المجتمعات لتحقيق أجندات لا تخدم المصلحة الوطنية للدول التي يعيشون فيها.
وبالنظر إلى الحالة في السودان فهى الأبرز التي تجلى فيها تفكير الإخوان تجاه الوطن… فالحركة الإسلامية السودانية عبر حزبها المؤتمر الوطني ضربت أروع الأمثلة في عدم المبالاة بوحدة التراب الوطني، ففي ظل حكمهم، تم التفريط في ثلث مساحة البلاد مقابل بقاء التنظيم في السلطة في الشمال. وكان الشعار الضمني لهم (فاليذهب جزء من الوطن، ليبقى التنظيم حاكماً)، ويظهر ذلك بوضوح في سلوكهم الحالي في السودان حيث تتهم الحركة الاسلامية بإشعال فتيل الحروب والتمسك باستمرارها حتى لو أدى ذلك لتفتيت ما تبقى من السودان. ليحكموا فيه بعقلية “الكنتونات”؛ فإذا تعذر لهم حكم السودان كاملاً، فلا بأس من تحويل جزء منه (ولايات معينة في الشمال مثلا) إلى معقل حصين للتنظيم، حتى لو كان ذلك على جثث المواطنين وأطلال الدولة الموحدة.
اذن، فبينما تسعى الصهيونية لسرقة أرض الغير لبناء وطن، يسعى الإخوان لتبديد أوطانهم الأصلية لبناء (التنظيم). لذلك فإن عدم اعتراف الإخوان بالحدود الجغرافية والانتماء للوطن، يجعلهم الخطر الأكبر على مفهوم الدولة الوطنية، ويتحول الوطن في نظرهم إلى عقار يُباع ويُجزأ ويُحرق في سبيل بقاء التنظيم في السلطة…





