“المخدرات” .. حرب بديلة في ولاية نهر النيل

نهر النيل – أفق جديد

لم يَدُر بخلد الحاج مصطفى، أن تتحول شوارع قريته الريفية الوادعة وأزقتها الممراحة، ساحة للمطاردة المسلحة بين أجهزة مكافحة المخدرات والمروجين، بل لم يكن ليتصور أن يكون في قريته، غربي مدينة شندي بولاية نهر النيل، مروجون للمخدرات من الأساس، فالناس هنا يعيشون حياة بسيطة هادئة، من الحقل للبيت ومن البيت للتجمعات اليومية الراتبة تحت ظل العصر أمام دكانه أو أمام  الدكاكين الأخرى، للترويح والأنس مع الجميع. لكن أكثر من حادثة خلال شهرين، هزَّت قناعات الرجل السبعيني بهدوء القرية وبقائها على طبيعتها التي ألفها منذ أعوام حياته. 

طاردت الشرطة عبر الشوارع الضيقة شاباً يمتطي موتراً، يعمل مروجاً لتاجر أكبر، وفي حيازته لفائف حشيش. وراج في القرية أن الشاب تخلص من اللفافات المخدرة أثناء المطاردة، لكن الشرطة ألقت القبض عليه بعد ذلك من المنزل في ساعة متاخرة من الليل، وتمثلت  الحادثة الأخرى في عملية دهم واسعة لمنزل مجاور للحاج مصطفى، عثرت الشرطة خلالها على براميل معبآة بالحبوب المخدرة، مخبأة داخل أكثر من غرفة وألقت من فورها القبض على صاحب المنزل الذي راج أنه على صلة وشراكة مع سوريين يعملون بالزراعة قريباً من منطقة المعاقيل.  يقول الحاج مصطفى دهشاً: “عشنا وشفنا”

 

ضبطيات

بعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة، تزايدت معدلات ضبطيات المخدرات بأنواعها المختلفة، في ولاية نهر النيل بصورة ملحوظة، وامتدت هذه الضبطيات لتشمل القرى والأرياف في الولاية، جنباً إلى جنب مع مدنها التي شهدت موجات نزوح عالية، ويُفسر إعلان ضبط مصنعاً لإنتاج الكبتاجون، لاحقاً، قرب مصفات الجيلي القريبة بعد تحريرها، تزايد انفتاح سوق المخدرات وانتشارها بكثافة، إلى جانب مصادر أخرى، في الولاية التي يعتمد فيها السكان على حرفتي الزراعة والتجارة.  

وكانت السلطات أعلنت في يوم 11 فبراير 2042، ضبط أكبر مصنع لإنتاج الكبتاجون، بإنتاجية تبلغ 100 ألف حبة كبتاجون بالساعة، أنشأته قوات الدعم السريع قرب مصفاة تكرير النفط شمالي الخرطوم، في اعقاب انهيار هذه الصناعة في سوريا بعد نظام الأسد، ورصدت داخل المصنع مواداً خام وماكينات جديدة تكفي لإنتاج 700 مليون حبة.

 وقبله في 4 أكتوبر 2024، وبحسب المكتب الاعلامي لشرطة نهر النيل، ألقت مكافحة المخدرات بمدينة شندي القبض على أحد مروجي المخدرات، وصفته بالأخطر، إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين بترويج المخدرات وفي حوزتهم 416 رأس حشيش و28 قطعة بأحجام مختلفة، بعد دهمها مزرعة مجاورة لمنزله. اتخذت إجراءات قانونية في مواجهتهم تحت المادة (15 أ) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية.

وتوالت ضبيات الشرطة والأجهزة الأمنية لمروجي وتجار المخدرات، وشهد الأسبوع الأول من يونيو 2025، توقيف جهاز المخابرات العامة وشرطة مكافحة المخدرات، بين ولاية الخرطوم وشمال ولاية نهر النيل، شبكةً تنشط في ترويج وتهريب وتجارة المخدرات، وأسفرت العملية، عن ضبط 53500 حبة ترامدول، 19 جوال بنقو، عربة لاندكروزر موديل 2004، وتقدر قيمة المضبوطات بمبلغ 720 مليون جنيه سوداني.  

وفي يوم 26 يونيو 2025، ووفقاً للمكتب الإعلامي لشرطة نهر النيل، أحبطت مكافحة التهريب بنهر النيل تهريب 80 كيلو غراماً من مخدر “الآيس كريستال” على حدود الولاية مع إحدى دول الجوار وتزامن ذلك مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، وخلال 24 ساعة أخرى، ضبطت شرطة محلية شندي، 2 مليون و500 حبة كبتاجون جديدة، في حوزة أجنبي، داخل شاحنة مخبأة في إحدى المزارع.

وتمكنت شعبة مخدرات شندي في 25 سبتمبر 2023 من ضبط 33 رأس من مخدر البنقو، وأوقعت بمروج حشيش بالمدينة، يروج للمخدرات من داخل منزله، ضبطت بحوزته 2 كيلو حشيش أفغاني و180 حبة كبتاجون. وعاودت في أغسطس 2024، ضبط شاحنة على متنها مليوني حبة كبتاجون مخدرة، ووفق المكتب الصحفي للشرطة أن الشاحنة يقودها سائق أجنبي بغرض توزيعها على محليتي شندي وعطبرة، كما تمكنت قوة مشتركة من شرطة مكافحة المخدرات، والشرطة الأمنيه وجهاز المخابرات العامة، من ضبط كمية كبيرة من الحبوب المخدرة بلغ عددها 1288 حبة مخدرة كانت مخبأة في منزل بمنطقة خليوه شمال عطبرة.

وأفاد المكتب الاعلامي لشرطة نهر النيل، في 12 يونيو 2025، أن الشرطة أحبطت محاولة تهريب كمية ضخمة من الحبوب المخدرة، أثناء تفتيش دوري في منطقة كبري المتمة. أوقفت عربة ثلاجة تحمل لوحة سعودية بالرقم (3680 أ دق)، في طريقها من منطقة الرحماب إلى مدينة شندي. وعُثر على جوال يحتوي على خمسين كيسًا من حبوب مخدرة من نوع “لجة”، بواقع ألفي حبة في كل كيس، ليبلغ إجمالي المضبوطات 100,000 حبة مخدرة.

وأوقفت الأجهزة الأمنية بمحلية المتمة، (م. أ. م) من أخطر مروجي مخدر “الآيس كريستال” بمنزله بمنطقة الجوير، وأسفرت عملية المداهمة عن ضبط عدد 14 (سرنجة) فارغة، ميزان إلكتروني لوزن المخدر، 77 أمبولة فارغة، وأخرى معبأة معدّة للتوزيع بالإضافة إلى أدوات تعاطٍي وحقنتين جاهزتين، وأربعة هواتف نقالة. وخلال الفحص الفني للهواتف، تبيّن وجود شريك للمتهم يُدعى (ع. ص. ب)، وافد من مدينة ود مدني، وشقيقه (م. ب. ص) سبق ضبطه في كمين على جسر المتمة. تحركت القوة فوراً إلى موقع المتهم الثاني، وتم ضبطه وبحوزته 6.5 جرام من الآيس كريستال، أربع أوراق “برنسيس”، مبلغ مالي قدره 580 ألف جنيه، مراسلات عبر “واتساب” وإشعارات تحويل مالي عبر تطبيق “بنكك”، بالإضافة إلى دراجة نارية بدون أوراق رسمية رسمية وعدد ستة هواتف نقالة بشرائح مختلفة. كما عُثر على ملابس ومهمات عسكرية تابعة لاحدي الجهات النظامية كان المتهمون يستخدمونها وسيلة تمويه أثناء عملية توزيع المخدرات بموجب ذلك اتخذت إجراءت قانونية ضد المتهمين بالرقم 39، تحت طائلة قانون المخدرات والمؤثرات العقلية تحت (المادة 15 أ)، إلى جانب المواد 60، 68، و100 من القانون الجنائي، بالقسم الأوسط وتفيد متابعات المكتب الصحفي للشرطة للشرطة انه وعلي ذات السياق ضُبط المتهم (م. ح. ع) وبحوزته أدوات تعاطي وكمية من البنقو، وتم اتخاذ إجراءات بلاغ في مواجهته وفق أحكام قانون المخدرات والموثرات العقلية.

وفي 24 ديسمبر 2024 تمكنت قوات مكافحة التهريب بولاية نهر النيل، بحسب المكتب الإعلامي لشرطة نهر النيل، من ضبط عدد 96 ألف حبة كبتاغون، وكيس من مخدر الهيروين الخام، إضافة إلى قطعتين من سلاح الكلاشنكوف، يُرجَّح أنها كانت في طريقها إلى مليشيا الدعم السريع.  

وفي 5 فبراير 2026 وفي عمليتين منفصلتين فبضت الشرطة بارتكازي العمارة والعوتيب، تمكنت خلالها من ضبط (150) و (80) رأساً من مخدر البنقو.

 

 ترويج

يقول الحاج مصطفى إن مشهد تعاطي المخدرات بات مألوفا، ويخبر في حديثه إلى “أفق جديد” أن الشباب يتجمعون ليلا في الحقول أمام النيل، وفي الميادين وحتى قرب المقابر ويتعاطون “هذه السموم” حدَّ تعبيره. ويضيف: “يأتون إلى دكاني كثيرا ويطلبون أوراق البرينسيس. أنا لا أبيع هذه الأشياء”.

يفيد مصدر أمني بسجن شندي، تحدث إلى “أفق جديد” وطلب حجب اسمه، أن أكثر من عشرين تاجرا ومروجا يقضون فترة حكم بسجون الولاية، تتفاوت مدد محكومياتهم بين الخمسة سنوات والعشرين سنة جنبا إلى جنب مع ضحاياهم من الشباب في أعمار متفاوتة، متهما السلطات المحلية بالتهاون في حسم معركة المخدرات، ولا يستبعد ضلوع عناصر أمنية في عمليات إدخال المخدرات وبيعها في ولاية نهر النيل. ويروي قصة الشاب أيمن، القابع بالسجن بتهمة بيع عربة شخص قتيل في ولاية أخرى، والذي بدأ مبكرا في عمر الـ١٥ عاما بالترويج والبيع والتعاطي، وقادته المخدرات للدخول في بيع السيارات المسروقة. 

بدورها تروي السيدة نعيمة مختار، بقلب مفطور، في حديثها مع “أفق جديد” محنة ولدها عماد، الأكبر من ضمن ثلاثة أولاد، يعيش والدهم بالمملكة العربية السعودية. يقضي عماد، الطالب في السنة النهائية بالمرحلة الثانوية، فترة حكم بالسجن مدته عامين، أثر شجار دامٍ انتهى بطعنه أحد شباب حي 19 بمدينة شندي، بسكين وذهبت التحقيقات إلى تعاطيه مخدر الآيس.

ويقول مواطنون من مدينة شندي تحدثوا إلى “أفق جديد” أن تداول المخدرات والترويج لها لم يعد خافيا في منطقة العبور وسوق الديم وفي حديقة الأم وحديقة السنتر جوار جامعة الطب، وفي حدائق شندي بحلة البحر، التي شهدت أحداث عنف مسلح بسبب الترويج للمخدرات، حيث ينشط بعض الشاب في مقتبل العمر وبأزياء عسكرية في البيع والشراء والترويج، يزعم الناس أنهم مجموعات منظمة محمية من سلطات عليا.

يخبر صلاح الفكي عضو لجان المكافحة في الأحياء بمدينة شندي، أن اللجنة تكافح في التصدي لانتشار المخدرات عبر شقين، عملية الرصد والرقابة والتبليغ، بما في ذلك توجيه الأسر وتنبيههم في وقت مبكر لسلوك بعض أبنائهم ممن يقعون ضحية للترويج أو التعاطي، ويتعلق الشق الآخر بمشاركة الوعي وتنظيم المحاضرات في الأندية ومراكز تجمعات الشباب وفي دور العبادة. ويقول في حديث إلى “أفق جديد”: “هناك ترويج في بعض الأماكن العامة كالحدائق والميادين العامة والأسواق وثبت تورط أفراد يرتدون الزي العسكري؛ حدثت مواجهة بينهم والمواطنين في حديقة الأم بشندي، وحصل ضرب نار تدخلت بعده الشرطة العسكرية”. ويضيف: “نحاول قدر استطاعتنا بامكانات محدودة، ولكن الموجة عالية جدا”.

 

 مكافحة

في حديث إلى “أفق جديد” تخبر شيماء، وهي طبيبة صيدلانية متخصصة تعمل في مركز لمعالجة الإدمان، أنه ومن قبل الحرب نفسها لم تكن هناك سيطرة كاملة على الأدوية المُنبهة. ومنذ نهب الامدادات الطبية والصيدليات ومخازن شركات الادوية الخاصة، بداية اندلاع الحرب، ازداد الوضع سوءً, فقد حدث تسرب رهيب للأدوية المنبهة. وتصنف الأنواع التي يتعاطها الجنود، مثلا، باسم ( stimulant drugs) وهى أدوية تعمل على تحفيز الجهاز العصبى المركزى، تستخدم طبيا لعلاج بعض الامراض ولها استخدمات خاطئة، تبلغ حد الإدمان، من قبل بعض الرياضيين وسائقى الشاحنات الثقيلة لزيادة الكفاءة واليقظة، فيصابون بتغييرات حادة في المخ والوعى والحواس وباختلال في الوظائف الفيزيولوجية والنفسية. تقول: “المدمنون هنا، بمن فيهم الجنود في ساحات القتال يكسبون الاثار الجانبية للدواء، حيث يحدث تحفيز عالٍ لوظائف الجسم والدماغ وتقل الشهية والإحساس بالإعياء والتعب، ويشعر المتعاطي بطاقة داخلية متزائدة وبأنه ذو قدرة خارقة ويعاني التوتر والهلوسة السمعية والبصرية, لذلك ليس مستغرباً ما يشاهده الناس في وسائل التواصل الاجتماعى من جرائم اغتصاب وعنف مبالغ فيه ضد الأسرى والمدنيين في أماكن الاشتباكات”.

 

وتنفي رشا خضر وهي طبيبة مختصة في علاج الادمان والتأهيل النفسي والاجتماعي، وجود مراكز تأهيل متكاملة لمدمني المخدرات بشتى صنوفها وأنواعها، عشبية أو كيمائية. وتذهب إلى أن التعاطي مع الادمان كانحراف سلوكي وتجريمي وفقا للقانون، اكتر من كونه مرض يتطلب التدخل الطبي والارشاد الاجتماعي غائبة “الادمان والمخدرات عموما، موضوع له ابعاده القانونية والصحيه والنفسية والاجتماعية، بيد أن الجانب المفعل حاليا هو القانوني والجنائي، لكن  الجوانب الصحية ومعالجة وتاهيل مدمني المخدرات غائبة تماما. تقول في حديث لـ”أفق جديد” ومن ثم تضيف: “كل الجهود، ان وجدت، فهي ضعيفة وتفتقر لاسس علمية ومنهجية واضحة للتعامل مع المدمن، وهو تحدٍ ظل قائما ما قبل الحرب وأثناءها”.

وتؤكد رشا كثافة انتشار المخدرات بشتى أنواعها، ليس في نهر النيل وحدها، بسبب الظروف التي يعيشها الناس وانشغال الدولة بالحرب، وتمثل المخدرات، تاريخيا، أداةً من أدوات الحروب ولا غرو في تمدد تعاطيعها والترويج لها وسط قطاعات واسعة من فئات المجتمع. وتخبر في حديث إلى “أفق جديد” أن هنالك عزوف عن ارتياد المدمنين مراكز التأهيل النفسي والاجتماعي، لاسباب تتعلق غالبا بالوصمة الاجتماعية وقلة الكوادر المدربة والمؤهله للتعامل مع المدمنين والمخدرات. “الاثار المترتبه على التعاطي تبدأ من مستوى التأثير السلبي  الضار على الفرد وأسرته وتمتد لتبلغ المحيط الاجتماعي وابرز الأضرار هي الآثار الصحية والنفسية وزيادة معدلات الجريمه وحالات التفكك الاسري والتاثيرات الاقتصادية،  حيث يتدهور الوضع المالي والاقتصادي للمدمن واسرته وتدهور الانتاجية في العمل”. تقول ومن ثم تضيف: “ليس هناك إحصائيات دقيقة للمدمنين لغياب كثير من المعطيات وغياب الشفافية في الوزارات المختصة ولكن تزايد أخبار المخدرات ووصولها للقرى والأريفاف يمنح مؤشرا خطيرا للغاية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى