
أفق جديد
دعت منظمة بروميديشن المثيرة للجدل عدداً من قادة القوى السياسية السودانية لاجتماع يُرتقب انعقاده في سويسرا خلال الأيام القليلة المقبلة، في خطوة جاءت امتداداً لنشاط متسارع خلال الأشهر الماضية، أثار كثيراً من علامات الاستفهام، لا بسبب توقيته فقط، بل لطبيعة أجندته، ونوعية القوى التي سعى إلى جمعها، والرسائل التي خرجت من ورش سابقة عُقدت بعيداً عن أعين السودانيين، ولكنها كُتبت بأثر مباشر على مصيرهم.
فخلال الفترة الماضية، نظّمت المنظمة سلسلة من ورش العمل قالت إنها تهدف إلى “توحيد التيارات الإسلامية”، كان آخرها نهاية الشهر الماضي في العاصمة الماليزية كوالالمبور. ورشة وُصفت على نطاق واسع بأنها “مريبة”، ليس فقط بسبب مكان انعقادها البعيد عن جغرافيا الحرب، بل لأن تركيبتها البشرية والسياسية جمعت كيانات وشخصيات محسوبة على المعسكر المؤيد لاستمرار الحرب في السودان، وبمشاركة لافتة لتيارات متحالفة تاريخياً مع “الحركة الإسلامية”، خرجت بتوصيات لا تخفي انحيازها الصريح للخيار العسكري، بل ذهبت أبعد من ذلك برفضها حتى لفكرة الهدنة الإنسانية، في موقف يصطدم مع مجمل التحركات الإقليمية والدولية الساعية، ولو شكلياً، إلى وقف إطلاق النار.
وبحسب إفادة متداولة في تسجيل صوتي لأحد قيادات حركة “الإصلاح الآن”، التي يتزعمها المستشار السابق للرئيس المعزول عمر البشير والقيادي الإخواني المعروف غازي صلاح الدين، فإن الهدف الحقيقي من هذا المسار ليس الحوار ولا البحث عن مخارج وطنية، بل العمل المنهجي على بناء جبهة سياسية صلبة “لمناصرة العمليات العسكرية”، ومواجهة الخصوم السياسيين، وفرض واقع جديد يتجاوز تماماً خيارات الحل السلمي، ويعيد تعريف الصراع باعتباره معركة وجود لا تقبل التسويات.
تسويق الاستبداد
اللافت في هذا التجمع لم يكن فقط خطابه، بل طبيعة الحضور ذاته. فالمشاركون لم يقتصروا على سياسيين تقليديين، بل ضموا واجهات نقابية ومهنية أُنشئت في عهد النظام المعزول، وعلى رأسها “اتحاد الصحافيين السودانيين”، إلى جانب شخصيات سياسية وإعلامية مثيرة للجدل، عُرفت تاريخياً بدورها في تبرير الاستبداد أو تلميع السلطة، أو الصمت على جرائمها حين كان الصمت مربحاً.
ويرى مراقبون أن اختيار كوالالمبور، بعيداً عن العيون السودانية، لم يكن قراراً لوجستياً عابراً، بل خطوة محسوبة تهدف إلى حياكة “خارطة طريق إخوانية” تعيد إنتاج النظام القديم عبر بوابة الحرب، لا بوابة الانقلاب المباشر. فالحرب، في هذا السياق، لا تُدار فقط في الميدان، بل تُستثمر سياسياً كأداة لإعادة ترتيب المجال العام، وتصفية الخصوم، وإعادة تأهيل فاعلين لفظهم الشارع منذ ثورة ديسمبر.
وقد أثارت مشاركة منظمة غربية في تمويل تجمع يضم تيارات متطرفة تدعو صراحة إلى استمرار نزيف الدم السوداني موجة واسعة من الانتقادات. فكيف يمكن لجهات ترفع خطاب السلام وحقوق الإنسان أن تدعم منصات ترفض الهدنة الإنسانية، وتتعامل مع معاناة المدنيين بوصفها تفصيلاً ثانوياً في معركة سياسية؟
مفارقة سياسية
واعتبر محللون أن هذا الدعم الغربي لورشة تضم قوى إخوانية يمثل مفارقة سياسية كبرى، ويطرح أسئلة جوهرية حول الأهداف الحقيقية لهذه الجهات: هل تسعى فعلاً إلى إنهاء الحرب، أم إلى إدارتها؟ هل تريد سلاماً عادلاً، أم استقراراً هشاً يُبقي موازين القوى القديمة، ولو بثوب جديد؟
لم تكن ورشة كوالالمبور الاخيرة لقاءً فكرياً عابراً، ولا محاولة بريئة للبحث عن السلام. كانت لحظة كاشفة لاجتماع متناقضين في العلن، متوافقين في العمق. في قاعات مغلقة بمدينة بعيدة عن صوت المدافع، كُتبت وثيقة تحاول إعادة تعريف الحرب، وإعادة تأهيل الفاعلين، وإعادة ترتيب المشهد السياسي قبل أن ينقشع دخان المعركة. هناك، لم يُطرح السؤال الأهم: من قاد السودان إلى هذا الخراب؟ بل طُرح السؤال الأخطر: كيف نعود إلى المشهد دون أن نُسأل؟
سيادة انتقائية
في قلب الورشة، حضرت النواة الصلبة للحركة الإسلامية، لا كتنظيم معلن، بل كخبرة متراكمة في الحكم، وإدارة الدولة العميقة، وتدوير الخطاب بحسب الحاجة. هؤلاء كتبوا المبادئ العامة لمخرجات ورشتهم التي تحصلت عليها ” أفق جديد” بلغة وطنية عالية السقف، تبدأ بتأكيد أن “السودان وطن واحد غير قابل للتجزئة”. لكن هذه الوحدة، كما تظهر في النص، ليست نتيجة عقد اجتماعي عادل، بل مسلّمة مجردة، تُرفع كشعار لتجاوز تاريخ طويل من الإقصاء والحروب التي صاغها المشروع نفسه. الوحدة هنا ليست اعترافاً بالتمزق، بل إنكاراً لأسبابه.
حين تقول الوثيقة إن “السودان دولة ذات سيادة تمارس سلطاتها دون تبعية أو وصاية”، فإنها تعكس بوضوح عقل الدولة العميقة. السيادة هنا ليست حقاً للشعب، بل أداة سياسية تُستخدم عند الطلب. تُستدعى لمهاجمة تدخلات خارجية راهنة، وتُنسى تماماً عند الحديث عن عقود من الارتهان السياسي والاقتصادي، وعن استدعاء الخارج حين كان يخدم بقاء السلطة. هذا الخطاب لا ينفصل عن حضور عسكريين وتكنوقراط خبروا كيف تتحول السيادة إلى درع ضد المساءلة.
منشقون ناعمون
إلى جوار هذه النواة، جلس منشقون عن الحركة الإسلامية، يحملون لغة نقدية أخف، لكنهم لم يغادروا الفكرة الجوهرية. كتبوا نص المواطنة: “تقوم الدولة على مبدأ المواطنة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو النوع”. جملة مثالية، لكنها بلا ذاكرة. لا إشارة إلى القوانين التي كرّست التمييز، ولا إلى البنية الأيديولوجية التي صاغت الدولة. هكذا تتحول المواطنة من مشروع تفكيك جذري إلى وعد مؤجل، يصلح للعرض أكثر من التنفيذ.
الورشة لم تكن مكتملة بلا واجهات مدنية صُنعت بعناية. صحافيون وباحثون وناشطون سابقون، قُدموا بوصفهم مستقلين، بينما كانت وظيفتهم الأساسية تجميل النص ومنحه شرعية خطابية. هؤلاء صاغوا عبارات مثل “اعتماد الحوار السوداني–السوداني لمعالجة جذور الأزمات”، دون تحديد من يشارك في الحوار، أو من يضع جدول أعماله. الحوار هنا ليس أداة تفكيك للأزمة، بل آلية لإدارة الخلاف داخل الدائرة نفسها.
سلطة سلمية… بلا اعتراف
من أكثر فقرات الوثيقة تناقضاً قولها: “اعتماد التداول السلمي للسلطة ورفض الانقلابات والعنف المسلح وسيلة للحكم”. هذا الرفض جاء بلا تسمية، بلا إدانة، وبلا اعتراف. كتبته أيادٍ شاركت في انقلابات، أو برّرتها، أو صمتت عنها. هو رفض تجريدي، يعكس خبرة طويلة في غسل الوقائع عبر اللغة، لا عبر الاعتذار أو المحاسبة.
عند الوصول إلى محور الحرب، تسقط اللغة الرمزية، ويعلو الصوت العسكري بوضوح: “دعم حرب الكرامة وإنهاء التمرد”. هنا تُعرّف الحرب من زاوية واحدة، بلا سياق ولا جذور. لا ذكر لعسكرة الدولة، ولا لتعدد الجيوش، ولا لمسؤولية المؤسسة الرسمية عن الانهيار. هذا النص ليس توصيفاً، بل اصطفاف، كتبه من يرون في الحرب فرصة لإعادة ضبط المجال السياسي بالقوة.
عدالة انتقائية
وتضيف الوثيقة: “رفض أي هدنة غير مشروطة تمكّن المليشيا من التقاط أنفاسها”. في هذه الجملة يتجسد منطق الحرب الطويلة. لا مكان فيها للمدني، ولا للمدن المحاصرة، ولا للمجاعة. هو حساب عسكري بارد، يرى في المعاناة ثمناً مقبولاً لتحقيق نصر سياسي، لا كارثة وطنية تستوجب الوقف الفوري للنار.
تدين المخرجات “جرائم الإبادة الجماعية والاغتصابات والاختفاء القسري المرتكبة بواسطة مليشيا الدعم السريع”. الإدانة ضرورية، لكن انتقائيتها فاضحة. لا ذكر لانتهاكات أخرى، ولا لمسؤولية تاريخية، ولا لجرائم ارتُكبت باسم الدولة. هذه عدالة أحادية، تحمل بصمة واجهات مدنية تعرف كيف تستخدم لغة حقوق الإنسان كسلاح سياسي، لا كمدخل لعدالة شاملة.
انتقال مُتعجّل
في محور الانتقال، تنص الوثيقة على “تحديد فترة انتقال لا تتجاوز العامين واعتماد الانتخابات كوسيلة وحيدة للحكم”. هذا التسرع ليس بريئاً. يخدم القوى المنظمة القديمة، ويقصي القوى الجديدة المنهكة بالحرب. الزمن هنا أداة سياسية، والانتخابات المبكرة جسر آمن لعودة من يملكون المال والتنظيم والشبكات.
وتختم الوثيقة بالدعوة إلى “قيام حكم فيدرالي حقيقي”. عبارة كبيرة، بلا تعريف أو ضمانات. لا توزيع واضح للسلطات، ولا حديث عن الموارد، ولا آليات دستورية. كلمة مطاطة تُستخدم لطمأنة الهامش، دون نقل السلطة فعلياً. هذا الغموض هو ما سمح لمتناقضي الورشة أن يجتمعوا دون صدام.
الأكثر دلالة في الورشة ليس ما كُتب، بل من غاب. غاب ضحايا الحرب، وغابت لجان المقاومة، وغابت المناطق المحترقة. لم يكن ذلك سهواً، بل شرطاً للتوافق. فهؤلاء لو حضروا، لطرحوا السؤال الذي لا تريد الوثيقة سماعه: من أشعل النار؟
لغة العودة
ما جرى في كوالالمبور لم يكن مشروع سلام، بل مشروع ترتيب ناعم لمرحلة ما بعد الحرب. ترتيب للخطاب، وللتحالفات، وللغة العودة. اختلف المشاركون في الماضي، ويتنافسون في الحاضر، لكنهم اتفقوا على تجاوز سؤال المسؤولية. غير أن السودان لا يُدار بالوثائق المصقولة، ولا يُشفى بالإنكار. فالكلمات، مهما بلغت فصاحتها، لا تمحو الذاكرة، ولا تبني وطناً فوق ركام الحقيقة.
السلام الذي لا يمر عبر العدالة هش، والانتقال الذي يتجاوز الضحايا مؤجل السقوط. أما السودان، فلن ينهض إلا حين يُكتب مستقبله بأيدي من دفعوا الثمن، لا بأقلام من يطلبون العودة.
ووسط هذا المشهد، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الورشة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، خاصة في ظل نبرة العداء الواضحة التي أبداها المشاركون تجاه المبادرات الإقليمية والدولية الداعية لوقف الحرب، بما يعكس إصراراً على المضي قُدماً في سيناريو “الحرب الشاملة”، مهما كان الثمن.