وفي القاع يتضح الغياب ..!؟

بقلم : رضوان بلال
كمبالا
في Kampala تمضي الحياة بخفة لافتة.
لا تنشغل المدينة كثيرًا بسؤال: من نحن؟
ولا تدخل في معركة يومية لإثبات تعريفها.
الناس يفتحون متاجرهم، تتحرك الأسواق، وتمضي التفاصيل الصغيرة بثقة عادية.
وسيلة النقل الأساسية هنا هي “البودا”؛ دراجات نارية تحمل راكبًا أو اثنين أو ثلاثة، دون اكتراث بالتصنيفات أو الهويات الضيقة.
مشهد بسيط، لكنه يكشف فلسفة كاملة:
حين تخفّ الأيديولوجيا، تتحرك الحياة بحرية أكبر.
هذا السطح الهادئ يثير سؤالًا عميقًا:
كيف يمكن للحياة أن تمضي بطبيعتها في مكان، بينما تتعثر في مكان آخر بأسئلتها الكبرى؟
السودان، الذي عُرف يومًا بأنه قبلة في أفريقيا، لم يكن مثاليًا، لكنه كان قادرًا على استيعاب تنوعه.
كان الاختلاف جزءًا من نسيجه الاجتماعي، لا تهديدًا له.
الجامعة، المسرح، الصحافة، والأسواق… كلها كانت تعكس مجتمعًا يتجادل، لكنه لا يتكسر.
غير أن لحظة مفصلية غيّرت المسار.
عندما أعلن Gaafar Nimeiry قوانين سبتمبر عام 1983، لم يكن الأمر مجرد تشريع ديني، بل إعادة صياغة لطبيعة الدولة نفسها.
تحول المجال العام من مساحة احتمالات إلى مشروع محدد المعالم،
ومن حوار مجتمع إلى تعريف أحادي للهوية.
المشكلة لم تكن في الدين بوصفه إيمانًا،
بل في تحويله إلى أداة حكم،
وفي نقله من ضمير الفرد إلى سلطة الإكراه.
حين تُختزل الهوية في تفسير واحد، تضيق الحياة.
وحين يُقدَّم الاختلاف باعتباره خطرًا، ينكمش الإبداع وتضعف الثقة العامة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: كيف نبني؟
بل: من يملك الحقيقة؟
في السطح تبدو الأشياء عادية:
مدن تمشي، أسواق تتحرك، وسائل نقل مزدحمة بالحياة.
لكن في القاع يتضح الغياب.
غياب المساحة التي كانت تتسع للجميع.
غياب الثقة التي كانت تسمح بالاختلاف دون خوف.
غياب البساطة التي تجعل الحياة ممكنة بلا معركة تعريف دائمة.
القاع ليس ضجيجًا سياسيًا،
بل فراغًا هادئًا يتشكل حين تُسحب من المجتمع قدرته على التنوع.
هو اللحظة التي يصبح فيها المشروع أكبر من الوطن،
والشعار أعلى من الإنسان.
ليست القضية حنينًا إلى ماضٍ مثالي،
ولا مقارنة سطحية بين مدينتين،
بل تأمل في معنى الاتساع والضيق.
الحياة لا تحتاج إلى شعارات ضخمة كي تستمر،
ولا إلى صراع دائم حول الهوية كي تثبت وجودها.
تحتاج إلى مساحة آمنة تمشي فيها،
إلى دولة تدير الاختلاف بدل أن تقمعه،
وإلى مجتمع يرى في التنوع ثراءً لا تهديدًا.
في السطح تُرى الحركة.
وفي القاع يُرى ما فقدته الحركة من معناها.
وحين يتضح الغياب،
تبدأ الأسئلة الحقيقية.





