
بقلم : محمد عمر شمينا
في 19 فبراير 2026، وأمام الجلسة رقم 10109 لمجلس الأمن، لم يكن مرور ألف يوم على الحرب في السودان مجرد رقم زمني، بل محطة مكاشفة دولية بطبيعة الانهيار الذي أصاب الدولة، وبالتحول الخطير في نمط الجرائم المرتكبة. الإحاطة التي قدمتها ((روزماري ديكارلو))، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، عكست اتساع رقعة العمليات العسكرية وتحرك خطوط القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع تحذير واضح من خطر انتقال النزاع إلى الإقليم بعد إعلان تشاد مقتل عدد من جنودها في مواجهة مع عناصر من قوات الدعم السريع. غير أن ما منح الجلسة طابعها المفصلي لم يكن فقط اتساع المعارك، بل النقاش الصريح حول الفاشر باعتبارها نقطة تحول قانوني وأخلاقي في مسار الحرب.
الفاشر لم تعد مجرد مدينة محاصرة في شمال دارفور، بل تحولت إلى مؤشر على طبيعة المرحلة التي بلغها الصراع. تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية تحدث عن مؤشرات على مسارٍ ذي طابع إبادي في الهجمات التي وقعت في محيط المدينة، بما في ذلك أنماط قتل واستهداف على أسس إثنية، وتدمير واسع النطاق، واعتداءات جسيمة على المدنيين. وقد أشارت البعثة صراحة إلى أن قوات الدعم السريع كانت المنفذ الرئيسي لهذه الانتهاكات، بما في ذلك القتل المنظم والتهجير القسري واستخدام العنف الجنسي كأداة حرب. هذا التوصيف لا يمثل تصعيداً لغوياً فحسب، بل يحمل أثراً قانونياً مباشراً، لأن الإشارة إلى مؤشرات إبادة من قبل قوة مسلحة رسمية تضع الأطراف أمام مسؤوليات دولية مشددة، وتفتح الباب أمام آليات مساءلة تتجاوز الإطار الوطني.
أهمية الفاشر لا تنبع فقط من حجم الانتهاكات، بل من رمزيتها التاريخية في دارفور، ومن كونها تمثل مركزاً مدنياً ظل لفترة طويلة ملاذاً نسبياً للنازحين. حين تمتد أنماط العنف الجماعي إلى مدينة بهذه المكانة، فإن الرسالة تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات الديموغرافية والاجتماعية. إفادات ((هالة الكارب)) حول العنف الجنسي المنهجي، وما تم توثيقه من استهداف جماعي من قبل قوات الدعم السريع، تضع الفاشر ضمن سياق أوسع من استخدام الجسد كساحة صراع، واستخدام الرعب كأداة تفكيك للمجتمعات المحلية.
الإحاطة التي قدمتها ((إديم ووسورنو))، مديرة قسم الاستجابة للأزمات في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، كشفت عن انهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وتفاقم أوضاع النازحين، لا سيما في دارفور. لكن الكارثة الإنسانية في الفاشر ليست مجرد نتيجة عرضية للقتال، بل هي امتداد مباشر لطبيعة العمليات العسكرية والحصار، خصوصاً مع تورط قوات الدعم السريع في فرض سيطرة على المدينة والمناطق المحيطة بها. عندما تُغلق الطرق، وتُمنع الإمدادات، وتُستهدف المرافق الصحية، يتحول الوضع من مأساة إنسانية إلى سلوك منظم قد يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي.
في هذا السياق، يتقدم سؤال العدالة الانتقالية باعتباره شرطاً لبناء أي سلام مستدام. الفاشر تمثل اختباراً مبكراً: هل سيُتعامل مع ما جرى باعتباره تجاوزات حرب، أم باعتباره جرائم تستوجب تحقيقاً مستقلاً وتحديداً دقيقاً للمسؤوليات؟ العدالة الانتقالية، في معناها الواسع، لا تقتصر على إنشاء محاكم أو إصدار أحكام، بل تشمل كشف الحقيقة بصورة رسمية، وتوثيق الانتهاكات، وإتاحة الفرصة للضحايا لسرد رواياتهم، ثم الانتقال إلى مرحلة جبر الضرر الفردي والجماعي، وإصلاح المؤسسات المتضررة، وتطوير آليات حماية مستقبلية لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
التجارب المقارنة في النزاعات الداخلية تشير إلى أن تجاهل الجرائم ذات الطابع الجماعي، خصوصاً حين ترتبط بالهوية والانتماء، يرسخ شعوراً بالظلم العميق يصعب احتواؤه سياسياً. المجتمعات التي تتعرض لاستهداف إثني أو جماعي، كما حدث في الفاشر، لا تكتفي بوقف إطلاق النار، بل تطالب باعتراف رسمي بما حدث، وبضمانات تمنع تكراره. من دون هذا الاعتراف، يتحول السلام إلى هدنة باردة، ويظل العنف كامناً تحت السطح، قابلاً للاشتعال مع أول أزمة سياسية.
النقاش داخل المجلس عكس تبايناً في المقاربات. بعض الدول دعت إلى تشديد العقوبات والمساءلة، وأخرى ركزت على الهدنة الإنسانية أو دعم مسارات سياسية تقودها أطراف إقليمية، فيما طُرحت خريطة طريق وطنية تتحدث عن بناء الثقة والمصالحة وصولاً إلى انتخابات. غير أن الفاشر، بما تحمله من دلالات قانونية وأخلاقية، تجعل من الصعب الفصل بين المسار السياسي والمسار العدلي. أي عملية سياسية تتجاوز سؤال الفاشر، أو تؤجل معالجته إلى مرحلة لاحقة غير محددة، ستبدو في نظر المتضررين إعادة إنتاج لمنطق الإفلات من العقاب.
إصلاح القطاع الأمني يمثل أحد المفاتيح الجوهرية في هذا السياق. فالجرائم التي نوقشت في المجلس لم تقع في فراغ، بل في بيئة تتعدد فيها مراكز السلاح وتختلط فيها السلطات العسكرية بالاقتصادية، وبرزت فيها قوات الدعم السريع كطرف فاعل مستقل ينفذ عمليات واسعة النطاق. العدالة الانتقالية هنا تقتضي تفكيك البنى التي سمحت بتحول التشكيلات المسلحة إلى فاعلين سياسيين واقتصاديين خارج إطار المساءلة. من دون إعادة بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة على أسس مهنية وقانونية، ستظل أي تسوية عرضة للانهيار.
خطاب ممثل السودان ركز على السيادة ورفض التدخلات الخارجية، وقدم الحرب باعتبارها تهديداً وجودياً للدولة. غير أن مفهوم السيادة في سياق الفاشر يواجه اختباراً عملياً: حماية المواطنين، وضمان التحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين، هي جوهر السيادة الحديثة. وإذا لم تُظهر الدولة استعداداً حقيقياً للقيام بذلك، فإن الضغوط الدولية ستتزايد بحكم طبيعة الالتزامات القانونية ذات الصلة.
بعد ألف يوم من الحرب، تبدو الفاشر مرآة مكبرة للصراع السوداني بأكمله. فهي تكشف كيف يتحول النزاع من تنازع على السلطة إلى صراع يطال البنية المجتمعية ذاتها، وكيف يصبح العنف أداة لإعادة رسم الخرائط السكانية والسياسية. لذلك فإن أي حديث عن وقف إطلاق النار، مهما كان ضرورياً إنسانياً، يظل ناقصاً إن لم يُقرن بخطة واضحة لمعالجة ما جرى هناك، عبر آليات شفافة للمساءلة، وبرامج جبر ضرر حقيقية، وإصلاحات مؤسسية تضمن عدم التكرار.
السلام الذي لا يمر عبر الفاشر قانونياً وأخلاقياً سيظل سلاماً مؤجلاً. أما السلام الذي يضع العدالة الانتقالية في قلب العملية السياسية، ويعترف بضحايا الفاشر بوصفهم أصحاب حق لا مجرد أرقام في تقارير دولية، فقد يفتح، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، أفقاً لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة حكم القانون، وإعادة تعريف الشرعية السياسية في السودان بعيداً عن منطق الغلبة والقوة المسلحة.