رحلة البحث عن ذاكرة بديلة (رمضان أحلى في السودان) .. قل للزمان ارجع يا زمان

أفق جديد

“رمضان أحلى في السودان”… هكذا تُردَّد العبارة، التي كانت في الماضي تغنيها الشفاه اعتزازاً وفرحاً، اليوم تأتي على لسان الناس بمرارة وسخرية موجعة، تحاكي حال البلاد منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات. المدينة التي كانت تضج بالأضواء والزغاريد وروائح الطعام الذكية، أصبحت اليوم ذكرى بعيدة، اختفت معها البيوت الدافئة، وتفرّق الناس بين نازحين ولاجئين، وبين جائع ومريض.

كان رمضان طقسًا من الفرح، احتفاءً بالحياة: تُرتّب المنازل بعناية، تُخزّن التمور والسكر، ويُحضّر “الحلو مر” المعروف بالآبري، ويُطحن الذرة لصنع العصيدة التي تتصدر الموائد، بينما المساجد والساحات العامة تمتلئ بإفطارات جماعية، صخب وألفة تجمع القلوب على حب الخير والعطاء. لكن هذا العام، مثل العامين السابقين، غاب كل ذلك الاحتفال، وحلت مكانه برودة المخيمات، ورائحة الفقر، وهمسات الجوع الصامتة التي تخترق القلوب.

يصف شهاب عز الدين، من مدينة الحلفايا في الخرطوم، الذي اضطرته الحرب للفرار إلى جنوب السودان ويعيش الآن في جوبا مع زوجته وأطفاله في انتظار إعادة التوطين، استعدادات أسرته لهذا رمضان بأنها “منقوصة… أو تكاد تكون معدومة”.

يضيف شهاب: “جوبا مدينة تحتفي برمضان بطريقة مشابهة للخرطوم؛ الناس يخرجون بموائدهم إلى الميادين والطرقات، نتبادل النكات والقفشات… لكنني بلا شك أفتقد رمضان في الحلفايا: البيت الكبير، ولمة الأهل والأحباب بعد الفطور، قهوة أمي، حركة مسبحة والدي وهمهماته، وضحكات الأخوات… كل شيء تغيّر.”

أسر مشتتة

الأسرة اليوم مشتّتة بين نزوح داخلي ولجوء في دول الجوار. الأب لم يحتمل ما جرى، فانتقل إلى جوار ربه في العام الأول للحرب، وفي العام الثاني التحقت به الأم، تاركة شهاب وأطفاله يتلمسون ذكريات رمضان في حنين موجع. يقول: “حتى لو عدت إلى الحلفايا، فلن يكون رمضان هو رمضان، ولن تكون الحلفايا هي الحلفايا.”

رمضان أصبح حلمًا مؤجلًا،أو صورة تتلاشى بين الضباب والذكريات، وأمل صامتًا في عودة الأيام التي كانت فيها البيوت دافئة، والقلوب مطمئنة، واللمة العائلية صامدة في حضن الوطن ويختم شهاب قائلاً وذلك لن يعود لأن ما مضي مضى بلاعودة ونحن قد غادرنا الوطن الذي غدرنا بلاعودة سنبحث عن وطن بديل وذاكرة بديلة وطريقة احتفاء برمضان بديلة..

في كمبالا، ينبعث رمضان كوميض بعيد عن وطنه، كحلم يتردد بين الخيام والأزقة، يحاول السودانيون نقله معهم في كل طقس صغير. هنا، حيث لم تعد الروائح المألوفة للطعام تعبق في البيوت، ولم تعد الأزقة تضج بزغاريد الفرح، يعيش آلاف السودانيين  بعيدًا عن أم درمان والحلفايا ونيالا… بعيدًا عن الدفء الذي لمسته أيادي آبائهم، وعن موائد الإفطار التي كانت تحتضن ضحكات العائلة والجيران.

موقد وخيمة وذكريات

ليلى، تقف أمام الموقد الصغير في خيمتها، تصنع طعام الإفطار بنكهة غريبة، بلا تمر من بلدها، بلا السكر الذي اعتادت أن يتطاير على يدي والدتها قبل أن تُوزَّع العصيدة على الموائد. تقول بصوت يختلط فيه الحنين بالحزن: “رمضان هنا مختلف… كل شيء مختلف… أفتقد أمي، وأختي، والبيت الكبير الذي كانت تصدح جدرانه بضحكاتنا بعد الإفطار”. تتوقف للحظة، كأنها تسمع صدى الماضي في زوايا الخيمة، ثم تضيف: “الحرب أخذت منا القدرة على الفرح، وكل ما أتمناه أن أعود إلى أم درمان لأجد رمضان كما كان.”

سامر، مهندس شاب، يجلس على الأرض بين أقراص الخبز والأطعمة المستوردة من دول الجوار، محاولًا أن يعيد رسم ذكريات رمضان: “أفتقد روح الإفطارات الجماعية، تجمع الجيران والأسرة الممتدة، ضحكات الأطفال، ورائحة الآبري التي تعبق في الهواء… هنا، كل شيء صامت، الخطب في المساجد بلغة لا أفهمها، والأطعمة غريبة عن ذاكرتي”. ويبتسم ابتسامة مريرة، قبل أن يضيف: “الغربة ليست فقط في المكان، بل في فقدان كل شيء كنت أعتبره جزءًا مني”.

وفي المخيمات، حيث تصطف الخيام كأهداب منسية على أطراف المدينة، يحاول اللاجئون أن يصنعوا وطنهم من جديد. أحمد مختار، شاب من دارفور، يقف أمام مسجد صغير شيده من خشب وألواح معدنية: “نلتقي كل مساء لتناول الإفطار، نحاول أن نحفظ ما تبقى لنا من طقوس السودان… بعضنا جلب الآبري والتمر من كمبالا لنصنع الإفطار الرمضاني معًا… نصلي التراويح جماعيًا، نحاول أن نعيد الحياة لما فقدناه”.

مكابدة الحنين

وفي قلب العاصمة، افتتح نور الدين عبد الله مطعمًا صغيرًا يقدم وجبات سودانية مجانية، فيما يتجمع المتطوعون حول “مائدة الرحمن”، ينثرون كرم السودان في أرجاء الغربة: “حتى بعيدًا عن الوطن، نحاول أن نحافظ على تقاليدنا… على آبري وكرم الإفطار، وعلى تلك الروح التي تربطنا بأرضنا”، يقول بصوت يملؤه الإصرار والحلم.

أستاذ علم الاجتماع جمال محمود، المقيم في كمبالا، يشرح أن البعد عن الوطن يجعل السودانيين أكثر تمسكًا بعادات رمضان: “الأسر تخشى أن يفقد أطفالها هويتهم، لذا تجدهم يحاولون نقل الطقوس والعادات السودانية هنا. لكن مع استمرار النزوح والاغتراب، خاصة للأطفال الصغار، يقل الاهتمام بالعادات، وتصبح الذاكرة وحدها جسراً بين الماضي والحاضر”.

هنا في كمبالا، بين أصوات الخيام، ورائحة الآبري المنتشرة في الهواء، وحفيف أوراق الأشجار، يحاول السودانيون أن يحافظوا على وهج رمضان، على دفء المائدة، على صلوات التراويح، وعلى الضحكات التي تحكي لهم عن وطن غاب، لكنه لم يغادر القلوب. كأنهم ينسجون وطنًا صغيرًا بيديهم، في قلب الغربة، يحلمون بالعودة، ويحلمون برمضان كما كان… حلوًا، دافئًا، وساحرًا، كما في السودان.

ام درمان لم تعد

سكينة فضل المرجي، موظفة حكومية من مدينة بابنوسة، تقف أمام نافذة شقتها الصغيرة في أم درمان، تنظر إلى الشوارع التي تعج بالحياة قبل الحرب، وتتذكر رمضان كما كان. تقول بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: “لم أفكر منذ اندلاع الحرب في تجهيزات رمضان… أسرتي تفرّقت، وظيفتي ضاعت، منزلي في بابنوسة صار من الماضي، وعدد من أحبائي قُتلوا في الحرب. رمضان كان فرصة للقاء العائلة، كنت أشتري المستلزمات الضرورية لصناعة العصيدة والآبري والبليلة، وأحضّر مشروب التبلدي الذي يُعرف بالقنقليز… كل ذلك لم يعد ممكنًا. بعض أفراد أسرتنا قتلوا في دارفور، والباقون تفرقوا بين نزوح داخلي ولجوء إلى الخارج. رمضان اليوم أصبح مجرد ذكرى من أيامي الجميلة”.

حتى ما تبقى من طقوسها الرمضانية اقتصر على الآبري فقط، بينما تخلت عن الدقيق الذي تصنع منه العصيدة، الوجبة الرئيسية في الإفطار السوداني، وكأنها تحاول أن تحافظ على شظايا الماضي وسط الخراب والغربة.

حسن عبد الرحمن، موظف متقاعد يعيش لاجئًا في إثيوبيا، يصف رمضان هذه السنة بأنه “صامت ومجرد صوم بلا طقوس”: “توقفت عن الاستعداد منذ بداية الحرب… لم أعد أملك القدرة المالية لتنظيم أي دعوات، والأسرة متفرقة في جهات مختلفة. تحضير رمضان أصبح رفاهية تفوق طاقتنا، ونحن نتضور جوعًا ونعتمد على فتات الطعام الذي تقدمه المنظمات الخيرية. استقبلنا رمضان بالصبر والدعاء أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا، لنلتقي مجددًا على مائدة رمضان في وطننا”.

ومع أن أحلامهم وذكرياتهم تتشابه، فإن السودانيين يتوقون إلى أدق التفاصيل التي لم تعد متاحة: صلاة التراويح في الساحات الخالية، قيام الليل في المساجد، الإفطار في الطرقات العامة، التواصل مع الأهل والأقارب، موائد عامرة بالأطعمة التقليدية. عبد الله من الدلنج، جنوب كردفان، التي خضعت لحصار عسكري دام عامين، يقول: “أفتقد الإفطار في الطرقات، والتجمع لصلاة التراويح، وقيام الليل… لم أعد أفكر في هذه الأمور خوفًا من أن يُستهدف أي تجمع بمسيرات أو مدافع. التجمعات لم تعد آمنة حتى للصلاة أو الإفطار”.

ويضيف عبد الله، التاجر الذي خسر أمواله في الحرب: “ليست المدافع وحدها تهددنا، بل النصابون والمسلحون المتفلتون… لو ذهبنا للمسجد في وقت متأخر، قد نُقتل أو نُسرق. انتشار السلاح جعلنا محرومين من المظاهر الرمضانية التي كانت حياتنا مليئة بها منذ أجيال. رمضان أصبح صومًا بلا طقوس، صيامًا بلا فرح”.

بيئة مختلفة

آمنة السر، موظفة لجأت إلى نيروبي في كينيا، تصف رمضان في الغربة بأنه تجربة قاسية: “نصوم وسط ظروف صعبة، في بلد يختلف ثقافته ودينه عنا، لا توجد مظاهر صيام، ولا مساجد يرتادها الناس، ونجد صعوبة في معرفة وقت الإمساك والإفطار. كل شيء حولنا يذكرنا بما فقدناه، وبالحرب التي شردتنا إلى أراضٍ لم تطأها أقدامنا من قبل”.

تتابع آمنة: “الشهر الذي يسبق رمضان كان في السودان مشهدًا من النشاط والحياة، نجهز الأبري، ونخمّر الدقيق لصناعة الحلو مر، نجهز الدقيق والويكة والسمن البلدي، ونحدد لكل وجبة أوانٍ خاصة، ونحضّر المشروبات بأنفسنا… أما هنا، فلا طقوس ولا إحساس بوجود رمضان، ولا حتى المائدة الرمضانية التي تضم مواد محلية نادراً ما نجدها خارج السودان”.

وفي الغروب،  على اختلاف المواقيت حين يميل الضوء أم درمان و على خيام كيرياموندغو وكمبالا ونيروبي وأثيوبيا، يجلس السودانيون متفرقين، كلٌ في زاوية من زوايا الغربة، لكن قلوبهم كلها نابضة بذكريات وطن واحد. رائحة الأبري التي تعلّقت بالذاكرة، ضحكات الأهل بعد الإفطار، حركة المسبحة في يد الأب، همهمات الأم، أصوات الجيران في الساحات، كل هذا يختلط في أذهانهم كنسيم خفي يحملهم مرة أخرى إلى الحلفايا ونيالا وأم درمان… إلى بيوت دفء لم تعد موجودة إلا في صور وذكريات.

حتى في الخيم الباردة، وفي المقاهي الصغيرة أو مطاعم اللاجئين، يحاولون إعادة وطنهم قطعة قطعة: على مائدة إفطار، في صلاة تراويح جماعية، في ابتسامة للأطفال الذين لا يعرفون غير الغربة. كل وجبة، كل ضحكة، كل دعاء، هو جسر بين حاضرهم المؤلم وماضٍ لم يفقدوه بعد، وطنهم الذي يعيش فيهم، وفي كل حنين.

متفرقين ومتحدين

ورغم المسافات، ورغم فقدان المنازل والأحبة، يبقى السودان في قلوبهم، كأن الشمس نفسها تغرب وتشرق هناك في كل مكان، يرافقهم الحنين، يدفئهم الأمل، ويهمس لهم بأن العودة قادمة، وأن رمضان سيعود كما كان: ضحكًا، طقوسًا، دفئًا، وحياة تتجدد على موائدهم، على أرصفة الشوارع، وفي كل زاوية من الوطن الذي لم يزل حيًا في القلب.

هكذا، يقفون السودانيون متفرقين، لكن متحدين بروح واحدة… وطن واحد لا يغادرهم، وحنين لا يموت، ورمضان واحد، رغم كل الغربة والألم.

هكذا، يعيش السودانيون رمضان بين الحنين والغربة، بين الذكريات المليئة بالروائح والألوان والأصوات، وبين الواقع القاسي الذي فرضته الحرب واللجوء. رمضان أصبح صومًا بلا بهجة، ذكرى بلا عائلة، وطعمًا بلا مأوى… ومع كل فجر جديد، يتساءلون متى يعود وطنهم ليصبح رمضان كما كان، دافئًا، ممتلئًا بالضحك، بالأصوات، وبأحلام الطفولة التي لم تُنسَ..

Exit mobile version