
عثمان يوسف خليل
الحلقة الثانية
الحرب ووعي الأجيال…او كيف يتشكل العقل في زمن الخراب؟
لو افترضنا ان التعليم هو ذلك المصنع الذي تتشكّل فيه العقول، فإن الحرب هي العاصفة التي تهدم هذا المصنع، التي تعمل على اعادة تشكيل الوعي على أسس مضطربة. وكم تعلمون ان الحرب لا تدمّر الحجر وحده، بل تعيد صياغة الإنسان من الداخل، وتؤثر في طريقة تفكيره، ونظرته إلى الحياة، وفهمه لذاته وللآخرين.
في السودان، لم تقتصر آثار الحرب على النزوح والفقر والخوف، بل امتدت عميقًا إلى وعي الأجيال الناشئة، تلك التي فتحت عيونها على أصوات الرصاص بدلًا من طابور الصباح وأجراس المدارس، وعلى صور الدمار بدلًا من أغلفة الكتب وتصفحها.. وبلا شك فإن الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة يتعلّم أن العالم هو ذلك المكان الذي يمكن فهمه والتصالح معه، وأن المستقبل قابل للتخطيط، وأن الجهد يؤتي ثماره. من جانبٍ آخر فان الطفل الذي يكبر في ظل الحرب، فيتعلّم – دون أن يُقال له – أن العالم فوضوي، وأن الأمان مؤقت، وأن البقاء أهم من الحلم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
حين يتحوّل الخوف إلى جزء من التكوين النفسي، وحين يصبح العنف مشهدًا مألوفًا،
وحين تتراجع قيمة الحوار أمام منطق القوة،
فإننا لا نخسر سنوات من التعليم فقط، بل نخسر نمطًا كاملًا من التفكير. وهنا تكون النتيجة سلبية بالنسبة للجميع..
لقد رأينا كيف أثّرت الحرب في وعي أجيال السودان على مستويات متعددة:
٠٠أولًا: اضطراب الإحساس بالمستقبل
فكثير من الشباب اليوم يعيشون بلا صورة واضحة للغد. الأحلام باتت قصيرة المدى، والطموحات تقلّصت من بناء حياة كريمة إلى مجرد النجاة وتجاوز اليوم التالي. ومع غياب الأفق، يتراجع الدافع للتعلُّم، ويضعف الإيمان بقيمة المعرفة كطريق للارتقاء.
٠٠ثانيًا: تآكل الثقة في المؤسسات والمعنى
حين تنهار المدارس، وتتوقف الجامعات، وتغيب الدولة عن دورها في حماية حق التعليم، ينمو شعور داخلي بأن المؤسسات لا جدوى منها، وبأن النظام بأكمله قابل للانهيار في أي لحظة. وهذا الشعور يُضعف الانتماء، ويُربك العلاقة مع فكرة الوطن والمسؤولية العامة.
٠٠ثالثًا: قابلية أعلى للاستقطاب والتطرّف
العقل الذي لم يُدرَّب على التفكير النقدي، ولم يُمنح فرصة للتعلُّم العميق، يصبح أكثر عرضة للوقوع تحت تأثير الخطابات المتطرفة، والشعارات العاطفية، والدعاية السياسية أو الأيديولوجية. وحين يغيب التعليم الحقيقي، يسهل استبدال المعرفة بالشائعات، والفهم بالتحريض.
٠٠رابعًا: تغيّر منظومة القيم الاجتماعية
ففي زمن الأزمات، تتراجع بعض القيم المرتبطة بالعلم والعمل طويل النفس، ويصعد بدلًا عنها منطق السرعة، والربح العاجل، والحلول المؤقتة. ومع الوقت، قد يفقد المجتمع تقديره للعلم، ويستبدل الإعجاب بالعقل بالإعجاب بالقوة أو النفوذ.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل.
فرغم قسوة الواقع، لا تزال هناك مساحات للأمل، لأن الوعي – مهما تعرّض للضغط – يظل قابلًا لإعادة البناء. والتاريخ يثبت أن كل الشعوب التي تعرّضت لحروب قاسية استطاعت أن تنهض حين جعلت من التعليم أولوية وطنية، ومشروعًا أخلاقيًا قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس فقط:
كيف دمّرت الحرب تعليمنا؟
بل:
كيف يمكن للتعليم أن يُنقذ ما تبقّى من وعينا؟
فالتعليم في مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد عودة إلى المناهج القديمة، بل إعادة تفكير شاملة في:
نوع العقل الذي نريد صناعته، وكذلك القيم التي نريد غرسها، والقدرة التي نريد منحها للأجيال القادمة لفهم ما حدث، وتجاوز آثاره، وعدم تكراره.
لأن أخطر ما يمكن أن تخلّفه الحرب ليس الدمار المادي، بل عقلٌ اعتاد الفوضى، وتكيّف مع الألم، وفقد ثقته في إمكانية التغيير..