
أفق جديد
في ظل انهيار النظام الصحي وتدهور الخدمات الطبية، تفشّى وباء حمى الضنك بصورة واسعة في محلية مروي بالولاية الشمالية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة حيث تواجه الجهات الصحية تحديًا كبيرًا في مكافحة المرض، إذ تتطلب العملية تنسيقًا ميدانيًا لإزالة المياه الراكدة، وردم البرك لتقليل أماكن تكاثر البعوض ومنع انتشار العدوى.
ومع استمرار الحرب، شهدت عدة ولايات، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة، تصاعدًا ملحوظًا في حالات الإصابة بحمى الضنك والملاريا، وسط تحذيرات صحية غير مسبوقة.
وأعلنت وزارة الصحة بالولاية الشمالية تسجيل 9 حالات جديدة بحمى الضنك في محلية مروي، ليرتفع إجمالي الإصابات إلى 69 حالة منذ بدء الرصد، دون تسجيل أي وفيات حتى الآن.
وعقدت اللجنة العليا لمكافحة حمى الضنك اجتماعها بأمانة الحكومة بدنقلا، بمشاركة الجهات المختصة، لبحث تطورات الوضع الصحي بمحلية مروي، خاصة بعد ظهور حالات في منطقة الغريبة التابعة لوحدة القرير.
وأكد مدير عام وزارة الصحة بالولاية، د. ساتي حسن ساتي، أن الوزارة أعدّت خطة عاجلة ومتكاملة للتصدي للمرض، تتضمن تدخلات ميدانية واسعة للحد من الانتشار، مشيرًا إلى توفر الأدوية والمعينات الطبية اللازمة، ودعا المواطنين إلى الالتزام بالإرشادات الصحية والمساهمة في مكافحة نواقل المرض عبر تجفيف مصادر المياه الراكدة.
وقال المواطن السر الحسن إن الوباء انتشر بسرعة كبيرة في محلية مروي، مؤكدًا أن انهيار المنظومة الصحية يجعل الوضع الراهن تهديدًا وبائيًا واسع النطاق يطال شريحة كبيرة من السكان.
وأضاف الحسن في حديثه لـ”أفق جديد”: “حمى الضنك مرض خطير، وقد يتعرض المريض لنزيف إذا تأخرت حالته الصحية. المرض انتشر في الخرطوم وبحري وأم درمان والجزيرة وربك وكوستي وكسلا والقضارف وبورتسودان، إلى جانب عدد من المدن والقرى الأخرى”.
من جانبه، أوضح المدير التنفيذي لمحلية مروي، دفع الله محمد صديق، أن المحلية بدأت منذ تسجيل الحالات الأولى في تنفيذ إجراءات عاجلة شملت تفتيش (320) منزلاً، إلى جانب تكثيف حملات التوعية الصحية، خاصة فيما يتعلق بتجفيف المواعين والصهاريج ومصادر المياه الراكدة.
وأشار إلى وضع خطة إسعافية لمحاصرة المرض في منطقة الغريبة ومنع انتقاله إلى المناطق المجاورة، عبر نشر فرق ميدانية بمشاركة متطوعي الهلال الأحمر السوداني، والمقاومة الشعبية، وقوى الإسناد المدني، وعمال صحة البيئة، على أن تتواصل الزيارات الميدانية خلال الأيام المقبلة.
وأكدت المحلية تشكيل غرفة طوارئ لمتابعة الموقف أولاً بأول، مع تعزيز برامج التوعية بالوحدات الإدارية، مثمنةً دعم وزارة الصحة وحكومة الولاية في جهود احتواء المرض.
من جانبها، قالت المواطنة سوسن عثمان إن المستشفيات والمراكز الصحية تعاني اكتظاظًا كبيرًا بالمرضى، خاصة المصابين بالملاريا وحمى الضنك.
وأضافت: “أُصيب جميع أفراد الأسرة بالملاريا وحمى الضنك، والوضع الصحي يتطلب متابعة دورية وتوفير الأدوية والمحاليل الوريدية”.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت عدة مناطق بالولاية الشمالية تزايدًا في حالات الإصابة بحمى الضنك، في ظل ظروف بيئية مواتية لتكاثر البعوض الناقل للمرض، ما دفع السلطات الصحية إلى تكثيف أنشطة الترصد والاستجابة الميدانية، وتعزيز حملات المكافحة والتوعية.
وأوضح إعلام وزارة الصحة بالولاية الشمالية، في بيان تلقته “أفق جديد”، أن معظم الحالات سُجلت في منطقة الغريبة بعدد 67 إصابة، إضافة إلى حالة واحدة في منطقة الباسا وأخرى في الأراك.
وأكد البيان استمرار تدخلات الفرق الميدانية في عدد من محليات الولاية، بالتوازي مع تفعيل غرف الطوارئ الصحية وتعزيز إجراءات الاستجابة للحد من انتشار المرض.
وأشار إلى أن التدخلات تشمل مكافحة نواقل المرض، وعلى رأسها بعوض “الإيديس إيجبتاي”، إلى جانب تكثيف أنشطة تعزيز الصحة والتوعية عبر وسائل الإعلام والوسائط الإلكترونية والرسائل الإرشادية.
وشددت السلطات الصحية على أهمية الالتزام بالإرشادات الوقائية واتخاذ الاحتياطات اللازمة، داعية المواطنين إلى التعاون مع فرق المكافحة والإبلاغ عن أي حالات اشتباه.
وكانت وزارة الصحة قد أعلنت الأسبوع الماضي ارتفاع حالات الإصابة بحمى الضنك في ست ولايات، مع استمرار تسجيل إصابات بـالتهاب الكبد الوبائي E في ولاية الجزيرة، وسط نقص في بعض الأدوية والمستهلكات الطبية الخاصة بالأوبئة.
وفي ديسمبر الماضي، حذرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان من تفشي الملاريا في عدد من الولايات، حيث سُجلت أكثر من ألفي إصابة و80 حالة وفاة خلال شهرين.
وسبق أن أعلن وزير الصحة الاتحادي، البروفسور هيثم محمد إبراهيم، أن البلاد تسجل أكثر من 3 ملايين إصابة سنويًا بالملاريا، إلى جانب عدد كبير من الوفيات.
وخلال الأسابيع الماضية، كشفت وزارة الصحة عن نقص في أدوية الملاريا بعدد من الولايات، بينها الخرطوم، وأعلنت اعتماد استراتيجية لامركزية لمعامل الصحة العامة في ست ولايات للكشف المبكر عن الأوبئة.
كما أشارت تقارير رسمية إلى تجاوز معظم الولايات العتبة الوبائية للملاريا، مع استمرار تدفق النازحين، والتحسب لاحتمال ظهور حالات الكوليرا.
وكشف مدير عام وزارة الصحة بولاية الخرطوم، فتح الرحمن محمد الأمين، عن تحديات كبيرة تواجه القطاع الصحي، أبرزها تصريف المياه الراكدة داخل المنازل وإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، التي تسهم في تكاثر البعوض وزيادة خطر تفشي الأوبئة.
وأكد أن جهود مكافحة النواقل لن تكون كافية دون معالجة هذه المشكلات، مشيرًا إلى أن السلطات تراقب الوضع الوبائي باستمرار، مع تسجيل حالات موسمية، خاصة الملاريا. وحذر من تفاقم الأزمة بسبب خلو عدد كبير من المنازل، لكنه شدد على إمكانية تقليل الخسائر الصحية بنسبة تصل إلى 95% حال تنفيذ التدخلات الوقائية المطلوبة.
ولفتت دراسات إلى تصاعد ملحوظ في حالات الملاريا الحبشية، التي شكّلت نحو 27% من الإصابات في بعض المناطق، رغم أن الملاريا المنجلية تظل الأخطر.
ومع استمرار النزاع المسلح، يتدهور الوضع الصحي بوتيرة متسارعة، إذ تعرض القطاع الصحي بولاية الخرطوم لأضرار جسيمة خلال العام الأول من الحرب، وخرج نحو 70% من المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا بسبب القصف والنهب ونقص الإمدادات.
كما تعرض أكثر من 120 مستشفى في القطاعين العام والخاص للنهب، ما فاقم تدهور الخدمات الصحية وقلّص قدرة الولاية على الاستجابة للاحتياجات العلاجية المتزايدة.
وتضررت البنية التحتية المرجعية بصورة كبيرة، بما في ذلك تدمير المعمل القومي “استاك” وبنك الدم المركزي، وخروج المراكز المرجعية الرئيسية عن الخدمة، ما أثّر مباشرة على خدمات التشخيص ونقل الدم، ورفع مخاطر التأخر في علاج الحالات الحرجة.
ومع استمرار تفشي الأوبئة وارتفاع أعداد العائدين، تبدو مدن العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى في سباق مع الزمن لاحتواء الوضع الصحي المتفاقم.
ويتطلب الواقع الصحي المتدهور دعمًا عاجلًا وقويًا من المجتمع الدولي، وتنسيقًا فاعلًا بين الجهات الحكومية والمجتمعية، لتفادي تحول الأزمة الراهنة إلى كارثة صحية شاملة.