ورقة البحر الاحمر

على مدى ثلاثة عقود، تحولت ورقة البحر الأحمر إلى أداة ابتزاز واستمرار السلطة بيد النظام الإسلامي في السودان، الذي استخدمها بلا هوادة للبقاء في الحكم، ومناورة القوى الإقليمية والدولية، وتحقيق مكاسب ضيقة على حساب مصالح الشعب. لم تكن هذه الورقة مجرد استراتيجية عابرة، بل كانت الوصفة الجاهزة للتملص من المسؤولية وتأجيل الإصلاحات الداخلية، وهو ما شهدناه بوضوح  الان بعد عودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي، كيف استخدموا هذه الورقة لإطالة امد الحرب وفرض اجنداتهم على الإقليم والمنطقة.

الحقائق واضحة. البحر الأحمر، هذا الشريط المائي الحيوي، ليس مجرد ممر ملاحي، بل مفتاح استراتيجي يحكم حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة الدولي. الإسلاميون، منذ أن وصلوا إلى السلطة، أدركوا هذه الحقيقة واستغلوا كل الإمكانيات السياسية والعسكرية للدفع بورقة البحر الأحمر في صراعاتهم الداخلية والخارجية. ففي كل مرة يواجهون ضغطًا داخليًا لتقديم تنازلات للشعب، يلجأون فورًا إلى التلويح بأمن البحر الأحمر واستدعاء حلفاء إقليميين ودوليين، لإعادة رسم التوازن بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه المواطنون.

وبعد سقوط النظام الإسلامي، ثم عودته إلى المشهد السياسي، لم يتعلم الإسلاميون شيئًا من تاريخهم الطويل في الخراب الذي خلفوه. كانت ورقة البحر الأحمر هي الاستراتيجية الأقدم والأكثر فعالية في يدهم لإطالة أمد الحرب. أعادوا العلاقات مع إيران، مستغلين الحرب كذريعة، لتقديم الدعم العسكري والتقني، وكأن الشعب السوداني لم يعانِ بما فيه الكفاية من التدخلات الإقليمية السابقة. وفي الوقت ذاته، لم يغفلوا عن مغازلة روسيا، بما في ذلك الحديث عن القاعدة العسكرية في مواقع حساسة، في محاولة لإظهار قدرتهم على المناورة بين المحاور الكبرى، وكأن مصالح السودان الحقيقية ليست على جدول أعمالهم.

الأمر الذي لا يمكن تجاهله هو أن هذه السياسات لم تخدم سوى النظام ذاته، وأدت إلى المزيد من المعاناة للشعب السوداني. الاقتصاد منهك بالفعل، الأمن مهدد، والمجتمع يعيش في حالة مستمرة من الخوف والترقب، بينما الحركة الإسلامية تمارس لعبة الابتزاز والمناورات الدولية، مستفيدة من كل ثغرة لتحسين وضعها، على حساب المواطنين الذين لا يجدون إلا الحروب والفقر والانقسام.

وهنا تتجلى مسؤولية الحركة الإسلامية بشكل كامل: فهي لم تستخدم البحر الأحمر لحماية الدولة أو أمن المواطنين، بل لتحصين مواقعها السياسية واستمرار سلطتها. كل تهديد بوجود حلفاء خارجيين، سواء إيران أو روسيا، كان جزءًا من استراتيجية إطالة أمد الحرب وتعطيل أي حلول سلمية، حتى تظل الطبقة الحاكمة في موقع القوة، بينما الشعب يتحمل تبعات هذه السياسات.

اليوم، مع كل التحولات الإقليمية والدولية، يبدو واضحًا أن ورقة البحر الأحمر لم تعد قابلة للاستخدام بنفس القوة كما كانت. النظام الإيراني، الذي كان سندًا للإسلاميين في مغامراتهم، على شفير الانهيار أو التحول إلى كيان بلا تأثير حقيقي. هذا الواقع يعني أن الحركة الإسلامية لن تتمكن بعد الآن من استدعاء الحلفاء الإقليميين لدعم سياساتها أو ابتزاز القوى الدولية بنفس الفاعلية السابقة، وأن أي محاولة لممارسة السياسة القديمة ستصطدم بواقع جديد، حيث العالم أصبح أكثر وعيًا بخطر سياسات الخرطوم، وأكثر إصرارًا على وضع حد للحرب وإعادة استقرار المنطقة.

لكن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه هو: هل ستستوعب الحركة الإسلامية هذه الحقائق، أم ستستمر في مغامراتها؟ التاريخ يظهر أن هذه الحركة غالبًا ما فضّلت مكاسبها الضيقة على مصالح الشعب السوداني. ورقة البحر الأحمر، إعادة العلاقات مع إيران، مغازلة روسيا، كل ذلك لم يكن سوى أدوات لمواصلة السيطرة والابتزاز، وليس لتحقيق الأمن والاستقرار. الشعب السوداني، الذي عانى لسنوات من الحروب والفقر والدمار، يجد نفسه مرة أخرى ضحية لمغامرات قادة لم يتعلموا من الماضي شيئًا.

من هنا يصبح التحول نحو سياسة مسؤولة ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية. أي استمرار في اللعب بورقة البحر الأحمر، واستدعاء القوى الخارجية، سيعني استمرار الحرب، وارتفاع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وانعدام الأمن، وربما فقدان السيطرة على جزء من السيادة الوطنية. والعالم كله يتفق اليوم على ضرورة إيقاف الحرب فورًا، لكن الحركة الإسلامية، بدل التعاون لإنهاء النزاع، ما زالت تمارس أسلوب الابتزاز والمراوغة، محاولة استغلال الممر البحري الحيوي كأداة ضغط، بينما المواطنين يدفعون الثمن الأكبر.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق خطير. إما أن تعيد الحركة الإسلامية حساباتها، وتضع الشعب السوداني في المقام الأول، وتوقف مغامراتها المدمرة، أو أن تستمر في السياسات القديمة، التي لن تجلب لها إلا المزيد من العزلة الدولية، واستمرار الفوضى الداخلية، وربما كارثة حقيقية على المدى القريب. الشعب السوداني ليس مجرد مشاهد على هامش هذه اللعبة، بل هو المتضرر المباشر من كل خطوة خاطئة، وكل مغامرة خارجية داخلية، وكل ابتزاز دولي على حساب حياته ومستقبله.

في النهاية، السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه وعلى القادة: هل ستختار الحركة الإسلامية مصالح الشعب، أم ستواصل اللعب بالنار، واستدعاء تناقضات القوى الإقليمية والدولية، لتظل الحرب مستمرة على حساب مستقبل السودان؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير البلاد لعقود قادمة، ولن يكون هناك مجال للعودة إذا استمر النهج القديم.

Exit mobile version