
أفق جديد
لا تبدو صورة السودان في الذهن الأمريكي صورة “العدو” بالمعنى الكلاسيكي، ولا يظهر اسمه في أدبيات الأمن القومي بوصفه تهديدًا مباشرًا يستدعي الردع أو المواجهة. غير أن التاريخ السياسي والعسكري للولايات المتحدة يعلّمنا أن الخطر لا يأتي دائمًا من الدول القوية أو المعادية صراحة، بل كثيرًا ما ينبثق من الدول الضعيفة، المتآكلة، التي تفقد القدرة على إدارة نفسها، فتتحول من كيان سيادي إلى مساحة مفتوحة لكل أشكال الفوضى. في هذه المساحة تحديدًا تبدأ الحسابات بالتغير، وتُعاد صياغة المواقف، وقد يصبح التدخل العسكري خيارًا مطروحًا، لا بدافع العداء، بل بدافع الاحتواء القسري.
منذ اندلاع الحرب، لم يعد السودان دولة بالمعنى الوظيفي للكلمة. السلطة المركزية انهارت، مؤسسات الدولة تآكلت، والحد الأدنى من السيطرة على الأرض تلاشى لصالح قوى مسلحة متنازعة، لكل منها أجندتها، وتحالفاتها، وخطوط إمدادها. في مثل هذا السياق، لا تنظر العواصم الكبرى إلى الأزمة بوصفها شأنًا داخليًا، بل كتحول بنيوي يهدد الإقليم بأسره. فالفراغ الأمني، حين يطول، لا يبقى محليًا، بل يتمدد، ويتحول إلى مصدر عدوى جيوسياسية.
دولة منهارة
في الحسابات الأمريكية، تمثل الدول المنهارة خطرًا مضاعفًا. فهي من جهة عاجزة عن حماية حدودها أو ضبط سلاحها، ومن جهة أخرى تصبح بيئة جاذبة لشبكات تهريب السلاح، والتنظيمات المتطرفة، والفاعلين من غير الدول. ومع تعقّد المشهد السوداني، بات واضحًا أن الصراع لم يعد مجرد حرب داخلية على السلطة، بل تحوّل تدريجيًا إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، بعضها يتناقض مباشرة مع المصالح الأمريكية.
القلق في واشنطن لا ينبع من ضعف السودان وحده، بل من السؤال الأخطر: من يملأ هذا الضعف؟ ففي لحظات الانهيار، لا يبقى الفراغ فارغًا طويلًا. القوى الإقليمية المتنافسة، والدول الساعية لتوسيع نفوذها، ترى في السودان فرصة نادرة لإعادة التموضع. أي اقتراب سوداني – بفعل الضرورة أو التحالفات العسكرية – من محاور مناوئة للغرب، يرفع تلقائيًا مستوى الاهتمام الأمريكي من المراقبة إلى الاستعداد. فالسودان، بموقعه وإمكاناته وحدوده المفتوحة، لا يُنظر إليه كدولة هامشية، بل كنقطة ارتكاز محتملة في صراع النفوذ العالمي.
موقع جغرافي
يزداد هذا القلق تعقيدًا حين نضع في الاعتبار الموقع الجغرافي الحساس للسودان، المطل على أحد أهم شرايين التجارة العالمية. فالبحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي، بل ممر استراتيجي تمر عبره نسبة ضخمة من التجارة الدولية والطاقة. أي اضطراب أمني في الدول المشاطئة له، أو أي وجود عسكري معادٍ على سواحله، يُعد في العقل الاستراتيجي الأمريكي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، وليس مجرد أزمة بعيدة. ومن هنا، فإن السودان، بحكم موقعه، لا يملك ترف أن يكون دولة فاشلة دون أن يثير ذلك قلق القوى الكبرى.
تاريخ التدخلات الأمريكية يوضح نمطًا متكررًا: تبدأ الأزمة كصراع داخلي، ثم تتحول إلى مأساة إنسانية، ثم إلى تهديد إقليمي، وفي اللحظة التي تتقاطع فيها هذه العوامل مع مصالح استراتيجية – الملاحة، الطاقة، أمن الحلفاء – يصبح التدخل خيارًا مطروحًا، حتى لو تم تغليفه بخطاب إنساني أو دولي. السودان، للأسف، يسير في هذا المسار بخطى متسارعة.
يزيد من خطورة المشهد احتمال استخدام الأراضي السودانية أو موانئه كمنصات لتموضع عسكري لقوى دولية منافسة. فالولايات المتحدة، رغم مرونتها السياسية، تتعامل بحساسية شديدة مع أي وجود عسكري لخصومها في مناطق استراتيجية قريبة من خطوط التجارة أو من حلفائها. في مثل هذه الحالات، لا تنتظر واشنطن تحول التهديد إلى واقع مكتمل، بل تميل إلى العمل الاستباقي، سواء عبر الضغوط القصوى أو عبر القوة الصلبة.
خطر التطرف
ولا يقل خطورة عن ذلك تنامي مخاطر الجماعات المتطرفة في بيئة سودانية منهكة. فالتطرف لا يحتاج إلى حاضنة اجتماعية واسعة بقدر ما يحتاج إلى غياب الدولة. التجربة أثبتت أن التنظيمات المسلحة العابرة للحدود تزدهر حيث لا توجد سلطة قادرة على فرض القانون. ومع طول أمد الحرب، وتفكك الأجهزة الأمنية، يصبح السودان بيئة محتملة لإعادة تشكل هذه الجماعات، وهو سيناريو تعتبره الولايات المتحدة تهديدًا مباشرًا، حتى وإن لم يكن موجّهًا إليها في بدايته.
كما أن تدفق السلاح غير المنضبط داخل السودان لا يبقى محصورًا في حدوده. فالسلاح، بطبيعته، يبحث عن ساحات جديدة، ومع تشابك النزاعات في الإقليم، يمكن أن يتحول السودان إلى مصدر تسليح لصراعات أخرى في القرن الإفريقي أو شمال إفريقيا. في هذه اللحظة، لا يعود الصراع سودانيًا خالصًا، بل يُعاد تعريفه كعامل عدم استقرار إقليمي، وهو توصيف كفيل بتغيير قواعد التعامل الدولي معه.
الولايات المتحدة، بطبيعتها، لا تفضل التدخل العسكري المباشر. فهي تميل إلى استخدام الدبلوماسية، والعقوبات، والوساطات، والعمل عبر الحلفاء. غير أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها حين يغيب الشريك المحلي القادر على الالتزام بأي مسار سياسي. ومع تلاشي الأفق المدني في السودان، وتراجع فرص التسوية، يصبح السؤال في واشنطن ليس: كيف نساعد السودان على الخروج من أزمته؟ بل: كيف نمنع أزمته من التحول إلى تهديد أوسع؟
يلعب الحلفاء الإقليميون دورًا محوريًا في هذه المعادلة. فدول الخليج والقرن الإفريقي تنظر إلى السودان باعتباره جزءًا من أمنها المباشر. ومع تصاعد المخاطر، قد تنتقل هذه الدول من سياسة النصح والضغط الدبلوماسي إلى المطالبة الصريحة بتدخل أمريكي يحمي مصالحها الحيوية. في مثل هذه الحالات، نادرًا ما تتجاهل واشنطن طلبات حلفائها، خاصة حين تتقاطع مع مصالحها الاستراتيجية.
ثم هناك الخط الأحمر الأكثر وضوحًا: المصالح والرعايا الأمريكيون. أي استهداف مباشر أو غير مباشر لهم، أو حتى عجز الدولة السودانية عن ضمان سلامتهم، كفيل بتسريع أي قرار بالتدخل. فالتاريخ يبيّن أن حماية المواطنين والمصالح في الخارج تشكل أحد أسرع مبررات استخدام القوة في السياسة الأمريكية.
ولا يمكن إغفال البعد الإنساني، الذي كثيرًا ما يُقدَّم كدافع أخلاقي للتدخل. لكن في الواقع، لا تتحرك الولايات المتحدة بدافع إنساني صرف. الكارثة الإنسانية تصبح عاملًا حاسمًا حين تتحول إلى تهديد أمني، عبر موجات لجوء ضخمة، أو انهيار إقليمي، أو فوضى عابرة للحدود. السودان اليوم يقف عند هذه العتبة الخطرة، حيث تتقاطع المأساة الإنسانية مع الحسابات الأمنية.
خارج السيطرة
في المحصلة، لا يبدو السودان متجهًا إلى مواجهة مع الولايات المتحدة لأنه اختار الصدام، أو لأنه يشكل عدوًا أيديولوجيًا. الخطر الحقيقي يكمن في تحوله إلى مساحة خارجة عن السيطرة، تتقاطع فيها الفوضى مع الطموحات الإقليمية، ومع مخاوف الأمن الدولي. وكلما طال أمد الحرب، وازداد التفكك، واقتربت قوى خارجية من ملء الفراغ، اقترب السودان أكثر من لحظة تتغير فيها لغة التعامل الدولي من التحذير إلى الفعل.
المفارقة القاسية أن السودان لا يقترب من هذه المواجهة لأنه قوي أو متمرد، بل لأنه ضعيف إلى حد يجعل الآخرين يخشون ما قد يخرج من ضعفه. وفي عالم تحكمه المصالح لا النوايا، قد يكون هذا الضعف أخطر من أي عداء معلن.