
لأنه بدأ حياة اليتم الباكر (سقا) يبيع الماء علُق به أكثر من لقب، إذ يعشق الناس الألقاب، خاصة في حالته الغريبة هذه. فهو يحمل اسماً ثلاثياً موحداً (عثمان عثمان عثمان)، إذ كُتب عليه أن لا يرى أباه، فقد كان جنيناً في بطن أمه حين مات. تماماً مثل أبيه الذي مات أبوه كذلك قبل ولادته. وقد جوزت لجان الإفتاء في غيرما بلد أن يسمى المولود باسم أبيه، فنجد محمد محمد، وعبد الله بن عبد الله، ولا حرج في ذلك، سواء كان المسمى عليه حياً وقت التسمية أو ميتاً. وهو مع طيبة معشره، وابتسامته التي لا تفارق وجهه الصبوح هو (السقّا)، و(البلَّال)، و(اليتيم أب بُّل) ينطقونها دون فصل بين المضاف والمضاف إليه (أبُّل). أما تلك العجوز الكفيفة فقد كانت تستقبله بسؤالها الحميم..
ــ جيت آ (البلَّال)؟
وتلاحقه بالدعوات أثناء غسله لجرتها، وملئها والأواني الأخرى بالماء، ورش المكان حولها، وهو يردد أنه لم يفعل شيء، فترد عليه:
ــ إنت بلّيت (الميس)، وسويت (البرتيبة) مع ربك، بي بركة ونقاوة ماك تحقق لُماك.
ربي يرويك وينجيك ويديك
دعوة كفيفة لي نفساً عفيفة
و(البرتيبة) من المفردات الطليانية التي دخلت في حياء إلى قاموس الدارجة، ولم تصمد كثيراً، وتعني البيعة. فقد كانت العجوز تشير إلى أنه بفعله يستحق أن يلقى ربه نقياً كالماء. و(ماك) تعني (ماءك)، و(لماك) لقاءك المولى.
كان يبرّها بأول (بُل) يأتي به من النهر، حين كان يذهب إلى هناك قبل الشروق، فيملأه بعد أن يتوغّل قليلاً في المجرى، فهو في العادة يقدم للناس أكثر المياه برودة ونقاء. و(البُل) هو إنا من الجلد أو التيل المتين، يُندي ماء، ويكون مبللاً، فهو (بُل). أما السَّقَّا فهي المهنة التراثية القديمة لنقل وتوزيع المياه باستخدام “السُقا” أو “السِّعِن” المصنوع من جلود الماعز، أو البُل القطني، أو البراميل المحمولة على الدواب أو عربات الكارو فيما بعد، حيث كان (السَّقّا) يملأها من الآبار أو ينابيع المياه، أو من النهر، وينقلها للمنازل في القرى والمدن مقابل أجر زهيد، ذلك قبل أن تتوفر الوسائل الحديثة لتوصيل المياه.
يذكر أن حظوظ سُقاة الماء عظيمة جداً في الإسلام، إذ تعتبر أفضل الصدقات وأعظمها أجراً، وتُعد صدقة جارية، تفتح أبواب الرحمة والفلاح، وتُضاعف الأجر خاصة في الحر الشديد. وقد كانت سقاية المياه في التراث العربي مهمة ولها منزلة عظيمة. وقبل الإسلام كان شرف السقاية والرفادة (تجهيز الطعام وتقديمه) لحجاج الكعبة متروك لفرع بني هاشم دون فروع قريش الأخرى. وكانت السقاية مهمة مقدّرة. وذكر إبن هشام أن أشراف قريش كانوا يتبارون في أخذ السقاية لما لها من رفعة لهم بين قومهم. ولم يكن توفير المياه للحجاج مهمة يسيرة لشح المياه في مكة، إذ كان من يتولى المنصب ينشئ أحواضاً من الجلد يضعها في فناء الكعبة، وينقل إليها المياه العذبة من الآبار في المزاود والقرب. وإن كانت الأحواض في فناء الكعبة للماء، فهي في النتايل (جمع نتيلة) للبن يشرب منها المسافرون العابرون، ومنها يتزودون، ووثق لذلك الشاعر (عكير الدامر) حين أراد أن يُعلي من شأن أحدهم، رابطاً لقيمة السقيا بالفروسية بثبات الأجر الأخروي:
وكت المحنة طوّقت الرجال زي تيلة
روحك سُمتها.. شافوك ماك راتيلا
أجر تعبك مثبّت حوض لبن في نتيلة
وفي القرآن ورد (لا تُظلمون فتيلا).
ويدعو الإسلام إلى السقيا، فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: “أفضل الصدقة سقي الماء”، مما يعزز مكانة هذا العمل وعظيم أجره في الدنيا والآخرة.
و(البلَّال) باتت تعني الدَّهَجِي، وابتسامة الرضا والبشاشة.
والسعي بين النهر والبيوت. تجده يترنم ضاحكاً.. وحين تقترب منه تسمع الغناء الناهض على التعاليم، و(سمح القول) كما يقول إن سألوه تلبية الطلبات بسرعة لا تناسبه.. فتلمس الكلمات فؤاد السامع من يطلبه الإسراع فيسكت عنه.. إذ كان يردّد..
إﻏﺘﻨﻢ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮِّﻭﻳﺲ ﻣﺎ ﻳﺸﻴﺐ
ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ ﺩﻭﺍﻡ ﻟﻲ ﻧﻔﺴﻮ ﺑﺒﻘﻰ ﻃﺒﻴﺐ
ﻣﺎ ﺗﺨﻠﻴﻚ ﻋﺠﻮﻝ ﺍﻟﻌﺠﻠﺔ ﻣﺎ ﺑﺘﺼﻴﺐ
ﺩﺭﺏ ﺍﻟﻤﻬﻠﺔ ﻟﻠﺤﻮﻝ إﻥ ﺻﺒﺮﺕ ﻗﺮﻳﺐ
علاقته بالعجوز لم يدرك كنهها أحد، ويقولون هي من كانت تلقنه هذا الغناء، والذي انقلب إلى همهمات وترتيل هامس ودموع، وتهويمات وسرعة في الحركة لم يعهدها فيه الناس، ذلك منذ ظهر ذلك الناسك (الغريب) القادم من الخلاء. كان (البلّال) أول من التقاه، ولكأنه كان في انتظاره، سقاه واقتاده إلى داره، حيث اعتكف هناك لأيام شهدت نزول عمال هيئة توفير المياه، وكانت حركة حفر الآبار قد بدأت في الأرياف، كما شهدت التحولات البيِّنة في شخصية البلال. وربط البعض ما يحدث بملازمته الناسك الذي لم يبرح خلوته إلا في ذلك الفجر الذي شيعت فيه العجوز. فقد لحظ الجميع أنهما كانا متلازمين عند القبر يرتلان همساً، حتى بعد عودة الناس إلى ديارهم. ومنذ ذلك اليوم لم يرهما أحد في النواحي. إلا أن عيون أبناء المنطقة أكدت رؤية (البلّال) في الحرم الشريف، يسقي الحجاج. وتداول الناس حكايات فرحه حين يلتقي أبناء المنطقة فيرسل معهم الأموال إلى الفقراء الذين كان يدخل بيوتهم كل يوم ليروي عطشهم، وها هو يروي عروق الإيمان واليقين في الجميع حين يرددون المقولة الجديدة..
ــ حال البلال.. رضا ومحبة ومال.
وليته بقي..
وليت السقاة لم يختفوا.. فبعد أن كانوا ملء السمع والبصر والمكان، ها قد باتوا يتخفُّون وراء الفعل (كان).
وماذا خلفهم؟ ماذا خلف القِربة والسعن والبُل؟
قوارير بلاستيكية جميلة المظهر، قريبة من التناول في كل مكان، تشير نحو تجارة الاقناع، والتغلغل الناعم في الوجدان والسلوك البشري.
الماء.. أكثر ما يحتاجه الإنسان.. مثلما هو النبض في العروق.. اكتشف الطامعون أنه أكثر شيء يمكن بيعه. حتى بات عَبُّ الماء المعبأ سلوكاً إجتماعياً، لا قراراً عقلانياً مثلما يقول الخبراء، ويستشهدون بالأرقام المذهلة، إذ تجاوزت تجارة الماء المعبأ الــ 300 مليار دولار سنوياً. و600 مليار قارورة ماء تباع كل عام. وليتها كانت كماء (البلّال)، إذ أن في كل قارورة ملايين الجزيئيات من المايكروبلاستيك والنانوبلاستيك، تذهب عميقاً في الأجساد، ولا ترى بالعين المجردة. وبحسب منظمة الصحة العالمية وُجد البلاستيك في مياه الشرب وفي الأسماك وملح الطعام. وإن كان هذا بسبب تلوّث المحيطات والبحار، فها قد بتنا نخزّن مياه الشرب في البراميل البلاستيكية، والقوارير الكبيرة التي حلّت محل الزير والقُلٌّة، تلك الأواني التي كانت تضيف لماء الشرب عناصر صحية، لا أجزاء بلاستيكية لا تتحلل لا في الأجساد، ولا في التربة. وفي دراسة عام 2022 تم رصد البلاستيك في دم الانسان لأول مرة. وخلص أحد تقارير اللجان الأممية إلى أن 40% من سكان العالم يعانون شح المياه، وسيتعرض ما يصل إلى 700 مليون شخص إلى خطر التهجير بسبب شح المياه الشديدة بحلول عام 2030. كما أن أكثر من ملياري شخص يعيشون في بلدان تفتقر إلى المياه الصالحة للشرب والاستعمال اليومي، الأمر الذي يذكّر بالدراسة التي أشرف عليها بروفيسور محمد عبد الله الريح حول مياه السبايل (جمع سبيل) والتي أكد أكثر من نوع من التلوث البكتيري، حتى أنه أورد مازحاً وملخصاً نتائج الدراسة التي حللت مياه الصنبور، ومياه الزير، وما ينقع منها “بخت الكلب”، وهو الذي يشرب أنقى أنواع المياه من ذات السبايل.
الماء.. الذي يهب الحياة، بات يأتي بالموت البطيء.
الماء لم يتغيّر، بل نحن الذين تغيّرت نظرتنا له.
وفي حال الحصول على مائة ضعف عند بيع الماء في القوارير البلاستيكية، فمن المؤكد أنك لن تجد من يحدّث عن أواني الفخّار والأواني الجلدية والقطنية والزجاجية في عالم تتحكّم فيه الشركات والتسويق العالمي. ولن تجد من يقول لك أن الأواني القديمة ليست ممرضة، ولا ناقلة للأمراض، ويمكنها التحلُّل في البيئة دون تأثير سالب.
وإن كنا نروم شيئاً يسيراً من (حال البلّال)، فلن يكون المال، إنما الرضا وطيب المآل.
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي