الصحافيون في الحرب..إما ان تكون بوقاً أو تكون هدفاً

حيدر المكاشفي 

منذ إندلاع الحرب في السودان، لم تكن البنادق وحدها هي التي أطلقت النار، بل أُطلقت كذلك حملة منظمة ضد الحقيقة نفسها. وبينما انشغل طرفا الصراع بتبادل الاتهامات والقذائف، كان الصحفيون السودانيون يدفعون الثمن بصمتٍ ثقيل، في مشهد يلخص انهيار الدولة، وتغوّل السلاح، وانكشاف ظهر الكلمة الحرة. الأرقام وحدها كافية لفضح حجم الكارثة. فقد قُتل 39 صحفياً منذ اندلاع الحرب بحسب رصد منتدى الاعلام السوداني ونقابة الصحفيين الذي نشرته مجلة (افق جديد)، بينهم 19 خلال عام 2025 وحده. هذا ليس ضررا جانبيا بل نزيف مستمر يستهدف أحد أعمدة المجتمع. فإلى جانب القتل هناك سبعة صحفيين في عداد المفقودين بعد تعرضهم لعمليات إخفاء قسري، في بلدٍ صار فيه الاختفاء أسلوب حكم، والغموض سياسة رسمية. لم يتوقف الأمر عند القتل والإخفاء. فهناك وفقا للرصد سبعة صحفيين تعرضوا لاعتقال طويل الأمد، وتسعة لاحتجاز تعسفي مؤقت، فيما فتحت سبع قضايا قانونية ضد سبعة صحفيين آخرين. هكذا تستخدم أدوات الدولة لا لحماية حرية التعبير، بل لتكميم الأفواه. والقانون الذي يفترض أن يكون ملاذاً، تحوّل إلى سوط. وحتى من لجأوا إلى الخارج لم ينجوا. ثماني حالات استهداف طالت صحفيين في دول الجوار، ما يعني أن الملاحقة لم تعد جغرافية بل عابرة للحدود. أما حملات التهديد والتشهير وخطاب الكراهية فقد طالت 19 حالة، في بيئة رقمية منفلتة تحولت فيها منصات التواصل إلى ساحات اغتيال معنوي، يُقاد بعضها بواسطة جيوش إلكترونية تعمل وفق أجندات سياسية وعسكرية. والنتيجة انهيار شبه كامل للبنية المؤسسية للصحافة السودانية. صحف أغلقت أبوابها، مؤسسات إعلامية دُمّرت أو نُهبت، صحفيون شُرّدوا داخلياً وخارجياً، وآخرون يعملون بلا عقود، بلا حماية، بلا موارد. تحوّلت المهنة إلى مغامرة يومية بين القصف والاعتقال والاتهام بالخيانة من هذا الطرف أو ذاك. في مناخ الاستقطاب الحاد، صار الصحفي متهماً حتى تثبت براءته. إن كتب عن انتهاكات طرف، اتُهم بالعمالة للطرف الآخر. وإن حاول الالتزام بالحياد، اتّهم بالخيانة للجميع. هكذا تُخنق المساحة التي تُولد فيها الصحافة الحقيقية، وتُفرض ثنائية قاتلة، إما أن تكون بوقاً أو تكون هدفاً. الأخطر من ذلك أن استهداف الصحافة ليس مجرد انتهاك لحقوق فئة مهنية، بل هو اعتداء مباشر على حق المجتمع في المعرفة. حين يُقتل الصحفي، تُقتل معه رواية. وحين يُخفى قسرياً، تُدفن حقيقة. وحين يُخضع للملاحقة، يُرهب كل من يفكر في كشف المستور. إنها عملية إظلام ممنهجة، تتيح لمجرمي الحرب أياً كانوا العمل بعيداً عن الأضواء. الصحافة في زمن الحرب ليست ترفاً، بل ضرورة أخلاقية ووطنية. هي خط الدفاع الأخير عن الذاكرة، وعن توثيق الجرائم، وعن إبقاء جذوة المساءلة حيّة في بلدٍ يُراد له أن ينسى. لذلك فإن حماية الصحفيين ليست منّة من سلطة، بل التزام قانوني وأخلاقي يقع على عاتق كل من يدّعي تمثيل الدولة أو السعي لإنقاذها. إن استمرار هذا الوضع يعني أن السودان لا يخسر فقط معركة سياسية أو عسكرية، بل يخسر روحه المدنية. فلا ديمقراطية بلا صحافة حرة، ولا عدالة انتقالية بلا توثيق مستقل، ولا سلام مستدام في ظل تعتيم شامل. والسؤال اليوم ليس كم صحفياً سيُقتل بعد، بل هل يدرك السودانيون أن معركتهم من أجل وطن حر تمرّ حتماً عبر حماية الكلمة الحرة، فحين تُخرس الأقلام، لا يتبقى في الساحة إلا صوت الرصاص. إن ما يجري للصحفيين في السودان جريمة ممنهجة، لها سياقها، ولها مستفيدوها، ولها رسالة واضحة مؤداها لا نريد شهوداً.. 

تسعة وثلاثون صحفياً قُتلوا منذ اندلاع الحرب، تسعة عشر منهم في عام واحد فقط. آخرون أُخفوا قسرياً، بعضهم ما يزال في عداد المفقودين. اعتقالات طويلة الأمد، احتجازات تعسفية، قضايا مفتوحة كسيوف مسلطة على الرقاب، وملاحقات تجاوزت الحدود لتطارد الصحفي حتى في منفاه. ليست هذه مصادفات متناثرة، بل لوحة كاملة لحرب تُخاض ضد الحقيقة نفسها. في السودان اليوم، أن تحمل كاميرا أخطر من أن تحمل بندقية. أن تكتب خبراً قد يكلّفك حياتك. أن تسأل سؤالاً قد يجعلك متهماً بالخيانة من جميع الأطراف. هكذا يُعاد تعريف العدو، لم يعد الخصم السياسي أو العسكري فقط، بل كل من يدوّن، يوثّق، ينشر، أو يرفض أن يكون بوقاً. الحرب التي تدور في الشوارع لها جبهة أخرى أقل صخباً لكنها أشد خطراً، انها جبهة إسكات الأصوات. لأن من يسيطر على الرواية يسيطر على الذاكرة، ومن يطمس الحقيقة يضمن الإفلات من الحساب. لذلك يُقتل الصحفي، ويُرهب، ويُشوّه، ويُنفى. ليس لأنه طرف في المعركة، بل لأنه يفضحها.. السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا خوف من المستفيد من وطن بلا صحافة، من يرتاح لبلد لا يرى فيه المواطن إلا ما يُسمح له أن يرى، ومن يخشى الضوء إلى هذا الحد، فحين يُستهدف الصحفي يكون المستهدف الحقيقي هو حق الناس في أن يعرفوا. وحين تُكمم الأفواه لا يبقى في الساحة إلا صوت السلاح. وهذه ليست صدفة بل سياسة. ولكن هيهات فلن تُمحى الحقيقة بقتل حاملها. ولن تُدفن الجرائم بإخفاء من يوثّقها. وكل قطرة دم لصحفي تُسفك هي وصمة عار على جبين من يضغط الزناد ومن يأمر ومن يصمت. من يقتل الصحفيين لا يخوض حرباً من أجل وطن، بل يخوض حرباً ضد الوطن نفسه. لأن الوطن الذي تُخرس فيه الكلمة، وتُطارد فيه الكاميرا، ويُعتقل فيه السؤال، ليس وطناً يُبنى بل ساحة ظلام مفتوحة لجرائم بلا شهود. والمسؤولية لا تسقط بالتقادم، ولا تضيع بين بيانات الشجب الباردة. كل سلطة أمرت، أو حرّضت، أو غطّت، أو وفّرت مناخ الإفلات من العقاب، شريكة في هذه الجريمة. وكل من تعامل مع دم الصحفيين كخبر عابر، شريك بالصمت. إنها ليست قضية مهنية تخص الصحفيين وحدهم. إنها معركة مجتمع كامل من أجل حقه في أن يعرف، وأن يحاسب، وأن يتذكر. فمن دون صحافة حرة، لا عدالة انتقالية، ولا مساءلة، ولا حتى ذاكرة تحفظ أسماء الضحايا. السودان اليوم أمام اختبار أخلاقي حاسم، إما أن يُحمى الصحفي كعينٍ للشعب وصوتٍ له، أو يُترك فريسة للرصاص والسجون وحملات التشهير، لنصحو جميعاً يوماً ما في وطن ملئ بالترهات والاباطيل والاكاذيب وبلا حقيقة..

Exit mobile version