حاورته جالا زهاء
في قلب الخرطوم، التي كانت ترزح تحت سيطرة الحكم العسكري حيث غاب الاهتمام بالمبدعين، تأسس مركز علي الزين الثقافي ليكون منارة للإبداع والفكر والفنون. منذ منتصف التسعينات، عمل المركز على سد الفراغ الكبير في الفنون السودانية، مقدّمًا للشباب فرصة للتعلم والتجريب والنمو في بيئة تجمع بين النظرية والتطبيق، بعيدًا عن القيود التقليدية للمؤسسات الرسمية.
اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن من النشاط المتواصل، يظل المركز مركز إشعاع حقيقي للفنون والموسيقى والشعر والمسرح، وخرج منه أجيال من الفنانين الذين أصبحوا نجومًا معروفين داخل السودان وخارجه. في هذا الحوار، نتعرف على مسيرة المركز، فلسفته في تربية الفنانين، التحديات التي تواجه الإبداع في السودان مقارنة بمصر، وكيف تخلق الألحان والفنون في بيئة مليئة بالأسئلة والدهشة.
س: حدثنا عن مركز علي الزين.
ج: بدأ مركز علي الزين نشاطه منتصف التسعينات، وشمل جوانب ثقافية وأكاديمية وكل العلوم الجمالية، بهدف نشر المعرفة وتغطية الفراغ الكبير الناتج عن عدم وجود منهجية للفنون في السودان. فالسودان هو الدولة الوحيدة تقريبًا التي ليس لها مناهج للفنون. فقط المحظوظون الذين مروا بالمركز استطاعوا الإلمام بهذه الجوانب النظرية والعملية للفن. لقد ظلم السودان بأنظمة لم تراعِ قيمة الإبداع، رغم أن الله تعالى من أسمائه البديع. أذكر في أحد المرات جاءني زهاء الطاهر إلى المركز في بدايات إنشائه، وتحدثنا عن ابني الصغير. أخبرته أنني لا أنوي إلحاقه بالمدرسة، بل أحبذ أن يحضر معي إلى المركز ويذهب للجامعة فقط وقت الامتحان. ضحك زهاء رحمه الله وقال: “أريتك كنت أبوي”. ابني هذا هو ود الزين، فنان الشباب المشهور اليوم.
المركز خرج عدد كبير من النجوم، ابتداءً من جيل لؤي عبد العزيز عازف الكمان الذي عمل مع محمد الأمين، وحتى جيل ود الزين وفرقة أصوات المدينة.
س: ما الاختلاف في العمل بين مصر والسودان؟
ج: أي بيئة لديها معطياتها وخطوطها الحمراء فيما يخص الفعل الثقافي. في الشرق الأوسط لا توجد حرية كاملة، لكنها تتفاوت من منطقة لأخرى. في السودان، كان النظام يقمع الثقافة ويخاف القلم والوتر أكثر من السلاح، فكان المثقفون مستهدفين. في القاهرة توجد محاذير كثيرة لكنها أفضل نسبيًا من السودان، فمساحة الإبداع أكبر والفنان يحظى بقيمة اجتماعية أعلى. فحمل بطاقة المهن الموسيقية أو بطاقة اتحاد الفنانين يضمن احترامك وأمانك الاجتماعي، حتى لمجرد حملك آلة موسيقية. هذه النظرة وحدها تحفز المبدع على العطاء.
منذ المهدية بدأت تسمية الفنانين والشعراء والكتاب بالصياع، ثم جاءت الإنقاذ وأنزلتهم من صياع إلى متسولين. الأنظمة الدكتاتورية تقمع الفنون لأنها توثق وتؤرخ، وتربّي، وبالتالي تكشف هشاشتها إذا ما تُركت حرية للفن. أما في دول أخرى، الفنان لسان حال الأمة وله ميزات اجتماعية واقتصادية وثقافية. لو كان لدينا حرية كاملة لأصبحنا ضمن دول العالم الأول.
س: هل صحيح أن الغناء السوداني صار المجال الأكثر شيوعًا في مصر بعد النزوح؟
ج: الغناء يوثق سريعًا وينزل في الإعلام وينتشر أسرع، لكن كل الفنون السودانية ازدهرت في مصر بعد الحرب، الكتابة، المسرح، التشكيل، الشعر، كل هذه أبواب مفتوحة للتجريب والتلاقح الثقافي. المصريون مندهشون من المفردة السودانية والجملة الموسيقية السودانية. عروض المسرح السوداني حازت على جوائز كثيرة في مهرجانات القاهرة. حتى الأطعمة السودانية، مثل الرغيف، لقيت رواجًا، وكذلك الأزياء والمهن التقليدية، التي كانت أقل حظًا في السودان، ازدهرت في مصر. ثقافاتنا المحلية قوية الجينات. لكن الفنون بطبعها الأسهل انتشارًا، لذلك هي الأكثر ظهورًا.
س: ما أبرز فعاليات المركز؟
ج: أبرز الفعاليات مستمرة حتى اليوم مثل ضربة حرة. أما في السودان، فهناك فعاليات مثل مشافهة النص الشعري وقلب الدائرة. كذلك كانت هناك تدشينات لكتب كبار الكتاب والشعراء مثل بركة ساكن، محمد مدني، الأصمعي، حاتم الكناني. ودشن المركز معارض تشكيلية كثيرة. المركز كان حاضنة للإبداع لكل أجيال الفنانين والشعراء والدراميين.
س: هل تربية ابن فنان تختلف عن غيرها؟
ج: ليس دائمًا. الفنان ليس بالضرورة متمردًا، بل على العكس، الفنان كائن وديع ومسلم، وليس مستسلمًا. المركز لم يرب فنانًا واحدًا، بل أجيالاً كاملة. أنت لا تصنع فنانًا، بل تهيئ له الطقس ليبدع. الفنان مولود فنان، وأنت توفر له البيئة المناسبة لا الإكراه.
س: كيف يتخلق اللحن عند علي الزين؟
ج: اللحن أحيانًا يفرض نفسه إذا توفرت الدهشة والاختلاف. هذه الأشياء تخلق سؤالًا لدى الفرد، سواء سؤال وجودي أو غيره. هذه الأسئلة تستفز اللحن، فتنتج أفكارًا لحنية موازية للنصوص الشعرية، وأحيانًا لا علاقة لها بالشعر، مثل شعارات برامج إذاعية وتلفزيونية، مسلسلات، مسرحيات، أعمال مصاحبة لفنون أخرى. السرد القصصي يثير خيالك لتنتج صورة موازية له عبر الموسيقى والألحان، وكذلك الشعر أو النص المسرحي، أو حتى لوحة معروضة. هذه العملية الإبداعية مستمرة في المركز، وتهدف إلى توسيع مدارك الفنان وربطه بجميع أشكال التعبير الفني.