
بقلم : كريستين رو – forbes
رغم تعدد النزاعات حول العالم، ما يزال السودان يواجه واحدة من أطول وأقسى الأزمات الإنسانية المعاصرة.
ويستمر الجوع في التفاقم داخل البلاد. فوفق تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وهو تحالف إنساني دولي، من المتوقع أن ترتفع حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء الحوامل أو المرضعات من نحو 3.7 مليون حالة في عام 2025 إلى ما يقارب 4.2 مليون حالة خلال عام 2026.
ويشير بشير كمال الدين حامد، مدير الصحة والتغذية في منظمة أنقذوا الأطفال بالسودان، إلى أن مدينتي كادوقلي في ولاية جنوب كردفان والفاشر في ولاية شمال دارفور تُعدان من أكثر المناطق تضرراً من أزمة سوء التغذية. ففي سبتمبر الماضي، أُعلن عن وقوع مجاعة في كلتا المدينتين.
ومنذ ذلك الوقت، وخاصة بعد المجزرة الدامية التي شهدتها الفاشر، اضطر عدد كبير من سكان شمال دارفور إلى الفرار نحو مناطق نائية بحثاً عن الأمان، ما جعل الحصول على الغذاء والمياه أكثر صعوبة، وزاد من احتمالات انتشار الأمراض. وفي ظل هذه الظروف القاسية، يلجأ كثيرون إلى شرب مياه ملوثة، بينما يتفشى وباء الكوليرا.
ولا تختلف الأوضاع كثيراً في جنوب كردفان. فبحسب تقرير صادر عن مرصد الحرب السوداني، فرضت جماعات مسلحة معارضة حصاراً على أجزاء من الولاية، ما أدى إلى شلل في قطاعات الرعاية الصحية والزراعة والتجارة. ونتيجة لذلك، ارتفع سعر الذرة الرفيعة في كادوقلي بأكثر من 400% بين عامي 2024 و2025، إذ تعتبر المدينة الجبلية موقعاً استراتيجياً في نظر الأطراف المتحاربة.
ولا يقتصر الأمر على الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء، بل إن تكاليف النقل الآمن أصبحت مرتفعة للغاية بسبب تعقيدات الحركة اللوجستية الناتجة عن استمرار الاشتباكات. ويقول حامد إن الأسعار في المنطقة “تشهد ارتفاعاً جنونياً”.
لكن خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وبينما توقفت المعارك مؤقتاً، أتيحت فرصة نادرة لإيصال مساعدات إنسانية عبر كادوقلي. فقد تمكنت منظمة أنقذوا الأطفال لأول مرة منذ يوليو 2023 من إدخال شحنة لقاحات إلى ولاية جنوب كردفان.
وبلغ وزن الشحنة نحو 18 طناً مترياً، واحتوت على لقاحات أساسية ضد أمراض مثل السل وشلل الأطفال والحمى الصفراء والحصبة وغيرها من الأمراض القاتلة.
وجاءت هذه العملية بعد عدة محاولات لم تكلل بالنجاح. فقد أوضح حامد أن فرق الإغاثة جهزت الشحنة في مناسبات سابقة، لكن تدهور الأوضاع الأمنية المفاجئ كان يمنع الشاحنات المبردة من الوصول إلى وجهتها.
ويجب على شركات النقل القادرة على إيصال الإمدادات أن تتواصل مع أطراف النزاع لعبور خطوط التماس. وفي مناطق مختلفة من البلاد، أغلقت كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع طرق الإغاثة.
ويضيف حامد أن الوصول الإنساني محدود للغاية، كما أن تطورات النزاع تتغير بشكل مستمر. ويقول: “قد يكون الطريق مفتوحاً اليوم، لكنه قد يُغلق في الغد”، الأمر الذي يفرض على المنظمات الإنسانية استغلال أي فرصة متاحة.
ولم تستمر نافذة الوصول الإنساني في جنوب كردفان سوى نحو 48 ساعة فقط، قبل أن تستأنف قوات الدعم السريع هجماتها على الطرق المؤدية إلى الولاية. ومع ذلك، كان الوقت كافياً للتحضير لإطلاق حملة تطعيم واسعة.
ورغم نزوح العديد من العاملين في القطاع الصحي بسبب الحرب، يؤكد حامد أن عدد الملقحين المتبقين لا يزال كافياً لتنفيذ الحملة. ومن المتوقع أن يستفيد أكثر من 24 ألف طفل من هذه اللقاحات، وكثير منهم لم يتلق أي جرعة تطعيم من قبل.
وعادةً ما تبدأ برامج التطعيم الروتينية في سن مبكرة لضمان أقصى درجات الحماية للأطفال. لكن حامد يوضح أنه يمكن للأطفال الذين لم يحصلوا على أي لقاح أن يلتحقوا ببرامج التطعيم حتى سن الخامسة.
كما يشير إلى أن الأمهات في السودان يحرصن على تحصين أطفالهن، مؤكداً أنه رغم النزوح الواسع الذي شمل ملايين الأشخاص بسبب الحرب، فإن مقاومة التطعيم في البلاد تظل محدودة للغاية.
وتأتي حملة التطعيم هذه ضمن سلسلة من الأنشطة الإنسانية التي تنفذها منظمة أنقذوا الأطفال في السودان، بما في ذلك تشغيل العيادات المتنقلة التي تصل إلى المناطق الأكثر عزلة. وفي بعض المناطق النائية، كان يتم نقل فرق التطعيم على ظهور الجمال للوصول إلى المجتمعات البعيدة.
وفي ظل المخاطر المتعددة التي تهدد حياة السكان خلال الحرب، يبقى التطعيم أحد أهم الوسائل لحماية الأطفال. ويؤكد حامد أن أهمية اللقاحات تزداد خلال الأزمات، موضحاً أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض بسبب ضعف جهازهم المناعي.
ويعني اجتماع سوء التغذية مع غياب التطعيم أن خطر وفاة الأطفال يرتفع بشكل كبير.
وتشمل هذه المخاطر أمراضاً يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات. فعلى سبيل المثال، يمكن منع الإصابة بالكزاز من خلال التطعيم، لكنه يصبح غير قابل للعلاج تقريباً بمجرد الإصابة به. ولهذا تتضمن الحملة أيضاً تطعيم النساء الحوامل ضد الكزاز.
كما أعرب حامد عن قلقه من تفشي أمراض أخرى مثل الحصبة، التي تشهد موجات انتشار متكررة في السودان، إضافة إلى مرض السل.
ويُعد التطعيم واحداً من أكثر التدخلات الصحية فعالية من حيث التكلفة للحد من وفيات الأطفال، خاصة في بلد يعاني من انهيار واسع في نظامه الصحي. ويقول حامد إن الوقاية من المرض في السودان أسهل بكثير من علاجه، لأن التعامل مع تفشي الأمراض يتطلب بنية صحية ومرافق طبية غير متوفرة حالياً في البلاد.
وقد تم شراء هذه اللقاحات بدعم من تحالف اللقاحات العالمي جافي. ومع ذلك، يواجه البرنامج فجوة تمويلية كبيرة بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية.
وتعكس هذه الأزمة مشكلة أوسع تتعلق بنقص التمويل للاستجابة الإنسانية في السودان، إضافة إلى تراجع الدعم المقدم من بعض الجهات المانحة للمنظمات الإنسانية، بما في ذلك المبادرات المحلية السودانية، في ظل التخفيضات العالمية في ميزانيات التنمية.
وفي الوقت نفسه، يستمر الإنفاق العسكري في الارتفاع حول العالم.
ورغم هذه التحديات، يحاول العاملون في المجال الإنساني التمسك بالأمل في مستقبل أفضل للسودان. ويقول حامد: “نأمل أن تتحسن الأوضاع يوماً ما”. لكن حتى الآن، تبقى مثل هذه المبادرات المحدودة، كحملة التطعيم الأخيرة في جنوب كردفان، مجرد بارقة أمل صغيرة في ظل حرب لم تضع أوزارها بعد، بينما يظل السلام هدفاً بعيد المنال.