توقعات باتخاذ الاتحاد الأوروبي خطوة مماثلة في أبريل “إخوان السودان” .. على قائمة الإرهاب  الامريكية

أفق جديد

في لحظة فارقة تشبه الوميض فوق سماء سياسية معتمة، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، يوم الاثنين، تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كـ”منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص”، لتدخل الخطوة حيّز التنفيذ في 16 مارس الجاري، محوّلةً الأمل الذي تراهن عليه الجماعة إلى رماد يتطاير في الريح.

القرار جاء ليضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والأزمة التي زرعتها في السودان منذ عقود، وليحرج قيادة الجيش المتحالفة معها، التي ستجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب لمعنى الولاء والالتزام بالمصلحة الوطنية.

لطالما انتقدت واشنطن، عبر مبادرات متتابعة منذ أبريل 2023، دور الجماعة في تصعيد النزاع الدائر، وحذرت من أن تأثيرها على الاستقرار يشبه قنبلة موقوتة تهدد كل أركان السودان والمنطقة. لكن القرار الأخير جاء ليقطع الطريق على أي وهم أمريكي سابق منح الجماعة شعوراً بأنها يمكن أن تكون “مقبولة”، ويضعها تحت مجهر عالمي لا يرحم.

عنف غير مقيد

في بيان رسمي، قالت الخارجية الأميركية: “جماعة الإخوان السودانية تستخدم عنفاً غير مقيد ضد المدنيين بهدف تقويض جهود حل النزاع في السودان، وتعزيز أيديولوجيتها الإسلامية العنيفة”. وأضاف البيان أن مقاتلي الجماعة، المدعومين من الحرس الثوري الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية، بينما كانت كتيبة البراء بن مالك أحد أعمدة الحرب الوحشية في البلاد.

وعلى الأرض، يتراءى المشهد كأن السودان يقف على حافة باب التاريخ السياسي المغلق أمام قوى الإرهاب: شبكات الحركة الإسلامية، التي لعبت دوراً محورياً منذ انقلاب 1989 بقيادة عمر حسن البشير، تجد اليوم جذورها تُقتلع، وأجنحتها تُقصّ، بينما تتوقف حركة الأموال والدعم الذي كانت تعتمد عليه.

التصنيف الأميركي لا يقتصر على رمزية سياسية، بل يترتب عليه تجميد الأصول ومنع أي دعم مالي أو لوجستي، ويضع قيادات الجماعة في مأزق قانوني وإقليمي غير مسبوق، ما يضع الجيش السوداني وحلفاء الجماعة أمام حقيقة صعبة: الاستمرار في التحالف مع تنظيم إرهابي دولياً يعني المخاطرة بالمستقبل والميدان معاً.

رسالة قوية:

محللون سياسيون يؤكدون أن القرار لن يقتصر أثره على السودان وحده، بل يحمل رسائل إقليمية قوية لكل الدول والمنظمات، ويعيد رسم خريطة التحالفات، بينما يرى البعض أن الجماعة تواجه اليوم النهاية الرمزية لسلطتها السياسية الطويلة.

في المشهد نفسه، يبدو أن السودان يقف على مفترق طرق: بين السلام الحقيقي والمواجهة المفتوحة مع إرث من العنف، وبين إعادة ترتيب قواه السياسية والعسكرية بما يتوافق مع إرادة شعب طالما دفع ثمناً باهظاً من أجل الحرية والاستقرار.

القرار الأميركي اليوم ليس مجرد تصنيف على ورقة رسمية، بل قلم يكتب فصلاً جديداً في تاريخ السودان، فصل يقطع الطريق على الإرهاب، ويعطي الأمل لملايين السودانيين في وطن ينهي أخيراً عقود الظلم والتطرف.

اعدامات جماعية:

وفي التفاصيل التي أضافها الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، تتألف جماعة الإخوان في السودان من الحركة الإسلامية وجناحها العسكري، لواء البراء بن مالك، وقد مارست عنفاً غير مقيد تجاه المدنيين. وأضاف البيان أن الجماعة نفذت إعدامات جماعية على أسس عرقية وإثنية، إلى جانب إعدامات موجزة ضد من يُتهمون بالتعاون مع جماعات معارضة، مما يعكس أسلوباً وحشياً متكرراً في إدارة النزاع، يهدف إلى زرع الرعب وإخماد أي مقاومة.

ويأتي هذا التأكيد ليكمل المشهد المأساوي الذي رسمه القرار الأميركي، مؤكداً أن الجماعة لم تكتفٍ بتأجيج الحرب، بل استخدمت العنف المنهجي كأداة سياسية واستراتيجية لإخضاع المدنيين وفرض سيطرتها على مناطق النزاع، وهو ما يجعل التصنيف الأميركي خطوة ضرورية لكشف هذه الممارسات وعزل الجماعة عن الموارد والدعم الدولي.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية في توضيح رسمي نشرته على صفحتها الرسمية: القرار يشمل الجميع، فالجماعة التي تتألف من الحركة الإسلامية وجناحها العسكري، لواء البراء بن مالك، استخدمت العنف غير المقيد ضد المدنيين، وسعت إلى تقويض كل جهود حل النزاع وتعزيز أيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة والعنيفة.

وأضافت الوزارة أن الجماعة ساهمت بما يزيد عن عشرين ألف مقاتل في حرب السودان، تلقى العديد منهم تدريباً ودعماً مباشراً من الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل من أنشطتها امتداداً لتأثير خارجي مهدد للاستقرار الإقليمي.

وعلى الأرض، كان المشهد أكثر قتامة: نفذت الجماعة إعدامات جماعية للمدنيين في المناطق التي سيطرت عليها، إلى جانب إعدامات موجزة ومتكررة على أساس عرقي أو إثني، أو مجرد اتهام بالانتماء لمجموعة معارضة، ليصبح العنف أداة ممنهجة لترهيب السكان وفرض السيطرة بالقوة.

وأكدت الوزارة أن تصنيفات الإرهاب تعمل على كشف وعزل الكيانات والأفراد، وحرمانهم من الوصول إلى النظام المالي الأميركي والموارد اللازمة لتنفيذ الهجمات، وأن كل الممتلكات والمصالح المالية للجماعة في الولايات المتحدة أو الخاضعة لأي شخص أميركي ستُحجب. ويُحظر على أي شخص القيام بأي تعاملات تجارية معها، مع تحذير صريح بأن أي تعامل قد يعرض صاحبه لعقوبات مباشرة أو ثانوية بموجب السلطات المكافحة للإرهاب.

قرارات مرتقية:

وفي خضم التفاعلات التي أعقبت القرار الأميركي، خرج مبعوث الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بتصريحات تعكس البعد الأوسع للتحرك الأميركي، مؤكداً أن واشنطن ماضية في استخدام كل أدواتها لمواجهة الإرهاب وكبح النفوذ الإيراني في المنطقة.

وقال بولس، في منشور على حسابه بمنصة إكس، إن الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب والتصدي للنفوذ الضار لإيران، في إشارة واضحة إلى الخلفيات الاستراتيجية لقرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية أجنبية وإرهابي عالمي مُصنَّف بشكل خاص.

وفي حديثه، رسم بولس صورة إنسانية قاتمة للمشهد السوداني، مشيراً إلى أن الشعب السوداني دفع ثمناً باهظاً للحرب المستمرة، ليس فقط بسبب الصراع العسكري ذاته، بل أيضاً نتيجة أفعال جهات وصفها بـ”الخبيثة”، والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها طرفا النزاع ضد المدنيين.

وأضاف أن اللحظة الراهنة تتطلب وقفة عاجلة أمام الكارثة الإنسانية المتفاقمة، مشدداً على أن الوقت قد حان لكي تقبل الأطراف المتحاربة هدنة إنسانية فورية تسمح بوصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين المدنيين العالقين في قلب المعاناة.

وكان قرار وزارة الخزانة الأميركية ربط التصنيف مباشرة بعلاقة الجماعة بـ الحرس الثوري الإيراني، وهو ما اعتبره الباحث العراقي نورس الأديب الأخطر في القرار، مشيراً في حديثه لـ” افق جديد” إلى أن الحركة الإسلامية السودانية هي الأكثر ارتباطاً بإيران بين الحركات الإسلامية في المنطقة، وأن هذا الارتباط أصبح الآن جزءاً أساسياً من تقييم الإدارة الأميركية، ما يمهد الطريق لاتخاذ خطوات مشابهة من قبل الاتحاد الأوروبي المتوقع في أبريل المقبل.

وفي تعليقه على القرار الأميركي، كتب نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، المهندس خالد عمر يوسف، على صفحته في فيسبوك، قائلا:

“ظنت الحركة الإسلامية السودانية  أنها ستحرق البلاد بأكملها، ثم تنجو من فعلتها دون أن يمسها الضر. اعتقدوا أنهم سيكذبون ويكذبون حتى يصدقهم الجميع، وأنهم سيخدعون كل الناس كل الوقت. لكن حاق المكر السيء بأهله، وها هم اليوم يخرجون مجردين من كل فضيلة، ليقبعوا في القائمة التي تليق بهم: قائمة الإرهاب، ومن يستحق أن يحتل صدارتها أكثر منهم.”

وأضاف يوسف: “إننا نرحب بقرار الإدارة الأميركية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح لواء البراء بن مالك كمنظومة إرهابية، ونؤكد أن هذا القرار التاريخي جاء استجابة لإرادة ملايين السودانيين والسودانيات الذين خرجوا في ثورة ديسمبر المجيدة، شاخصين أصابعهم نحو إنهاء عقود من استبداد نظام المؤتمر الوطني وحركته الإرهابية، وليكتب القصاص لكل نفس أزهقت جراء حرب الإجرام المكتمل التي أشعلتها هذه الجماعة الإرهابية في 15 أبريل 2023.”

وختم يوسف كلماته برسالة حازمة للمستقبل: “عهدنا ووعدنا أن لن نلين أو نستكين حتى نخلص بلادنا من شرورهم بالكامل. هذا طريق سرناه رغم أشواكه وزعازعه، ولن نعود من منتصفه حتى يُكتب الخلاص لسوداننا الحبيب من كل مجرم وكل مستبد، فالظالمون سيذهبون، ولن يعودوا من جديد.”

انتظار طويل:

وفي السياق ذاته، جاءت كلمات القيادي بشرق السودان وعضو تحالف صمود صالح عمار لتعكس شعوراً واسعاً داخل الأوساط المدنية السودانية بأن القرار الأميركي لم يكن مجرد خطوة سياسية عابرة، بل لحظة طال انتظارها في مسار مواجهة الحركة الإسلامية.

وقال عمار إن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصنيف الحركة الإسلامية وواجهاتها منظمة إرهابية جاء بعد انتظار طويل، مشيراً إلى أن الشعب السوداني سبق المجتمع الدولي بسنوات في اكتشاف حقيقة هذه الجماعة.

وأضاف في حديثه أن السودانيين قدموا تضحيات هائلة على مدى أكثر من ثلاثين عاماً لإزاحة الحركة الإسلامية من السلطة، تضحيات توجتها ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت برموز الصف الأول في الحكم، مؤكداً أن الشعب السوداني كان وما يزال الأكثر تضرراً من ممارسات هذه الجماعة مقارنة بأي جهة أخرى في العالم.

وفي مشهد يستحضر ذاكرة سنوات المقاومة، أشار عمار إلى أن السودانيين قاوموا هذه الجماعة بشراسة ودفعوا ثمناً باهظاً في سبيل حريتهم، كان من بينه دماء خيرة شبابهم الذين سقطوا في ميادين النضال.

خطوة مهمة

ورغم ذلك، يرى عمار أن القرار الأميركي يمثل خطوة بالغة الأهمية، خصوصاً في جانب قطع الدعم الخارجي الذي ظلت تتلقاه الجماعة من دول وجهات مرتبطة بالإرهاب، سواء في المجالات العسكرية أو الأمنية، إضافة إلى وقف تدفق الأموال والمساعدات التي ساهمت في استمرار نفوذها ونهب موارد السودان.

وأكد أن هذا الجانب تحديداً كان ما ينتظره السودانيون من المجتمع الدولي: خطوة عملية تعزل الجماعة وتحد من قدرتها على الاستمرار في التأثير على مسار البلاد.

ولم يخلُ حديث عمار من رسالة مباشرة إلى قيادة الجيش السوداني، إذ اعتبر أن القرار الدولي يضع القادة العسكريين أمام اختبار واضح لا يحتمل المواربة:

إما أن يكونوا قادة مهنيين يبرّون بقسم الولاء للشعب السوداني، ويدافعون عن البلاد وحدودها،

أو يقبلوا بدور التابع لتنظيمات الحركة الإسلامية التي ما زالت، بحسب قوله، تحاول توجيه مفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية لخدمة مصالحها السياسية والتنظيمية.

وبين هذه الرسائل الصريحة، يبدو أن القرار الأميركي لم يعد مجرد إجراء قانوني، بل جرس إنذار سياسي كبير يعيد طرح السؤال القديم الجديد في السودان: من يحكم فعلياً، الدولة أم التنظيم؟.

وهكذا، بينما تتردد أصداء القرار الأميركي في العواصم الإقليمية والدولية، يقف السودان عند منعطف تاريخي بالغ الحساسية. فالتصنيف الذي وضع الحركة الإسلامية وواجهاتها على قائمة الإرهاب لا يبدو مجرد إجراء قانوني، بل إشارة سياسية قوية تعيد ترتيب الأوراق في مشهد سوداني مثقل بالحرب والدمار والانقسامات.

الأسئلة الصعبة

في الداخل، ستجد قوى عديدة وعلى راسها القوات المسلحة  نفسها أمام أسئلة صعبة لا يمكن تأجيلها: هل تواصل التحالف مع تنظيم بات معزولاً دولياً، أم تنحاز إلى خيار الدولة الوطنية والسلام؟ وفي الخارج، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تحركات دولية أوسع لعزل الجماعات المتطرفة وتجفيف مصادر دعمها.

لكن وسط ضجيج السياسة وحسابات القوة، يبقى صوت آخر أكثر وضوحاً: صوت السودانيين الذين أنهكتهم الحرب. ملايين ينتظرون لحظة يتوقف فيها الرصاص، وتُفتح فيها الطرق أمام الغذاء والدواء، ويعود فيها الوطن من حافة الانهيار إلى مسار الحياة.

قد لا يكون هذا القرار نهاية الطريق، لكنه بلا شك علامة فارقة في مسار طويل؛ مسار تتصارع فيه قوى الحرب والسلام، وتُكتب فيه فصول مستقبل السودان. وفي ذلك المستقبل، كما يردد كثير من السودانيين اليوم، لن يكون هناك مكان للإرهاب، ولا عودة لعهود الاستبداد التي أشعلت هذه المأساة منذ البداية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى