جايطة.. فن المقاومة في زمن السقوط

أحمد عثمان محمد المبارك
بعد وجبة إفطار رمضانية، وبينما كنت أتنقل بين صفحات “اليوتيوب” باحثاً عن مادة تلامس الوجدان وتخفف من وطأة الغربة وهموم الوطن الجريح، استوقفتني حلقة كوميدية بعنوان (جايطة) لفرقة “شباب حلوين” الدرامية. لم تمضِ دقائق حتى وجدت نفسي مشدوهاً أمام فكرة ساخرة بعمق، اضحك معها بمرارة فجعلتني أفكر في مآل حال بلدنا، فأمسكت بقلمي لأكتب هذا المقال تقديراً لإبداع هؤلاء الشباب، وتوثيقاً لدور الفن عندما يقرر أن يكون ضمير الناس..
لقد استطاعت فرقة شباب حلوين، بقيادة الممثل والمخرج عمر فضل الله (الشهير بعموري)، وبمشاركة فنانين كبار امثار محمد صالحين والنجم عوض شكسبير ونخبة من المبدعين، أن تصنع منصة نقدية تتجاوز حدود الترفيه من قلب منفاهم في أوغندا. هؤلاء المبدعون قدموا في “جايطة” نموذجاً للفن الذي يسكن في قلب الوجع؛ فلم يكتفوا برصد معاناة النازحين، بل صوبوا سهام نقدهم نحو “تجار الأزمات” والانتهازيين ممن استمرأوا المتاجرة بآلام النازحين الذين شردتهم الحرب، محولين الكوميديا الهادفة إلى مشرط جراحي يستأصل العادات الاجتماعية السالبة التي أفرزتها ظروف الحرب والنزوح.

وفي مقابل هذا السمو الأخلاقي الذي تبديه الفرقة، تبرز المفارقة الصادمة في مواقف بعض الفنانين السودانيين المعروفين، الذين صنعتهم الجماهير بآهاتها وتصفيقها، فإذا بهم مع أول اختبار حقيقي، يختارون خيانة هذا الجمهور والارتماء في أحضان معسكرات “البلابسة” ودعاة استمرار المحرقة، فتماهوا مع خطابات الكراهية والحرب إرضاءً لأصحاب النفوذ، وباعوا تاريخهم الفني ومواقفهم الوطنية مقابل حفنة من المال وبعض العطيات الزائلة (لا تغني ولا تسمن من جوع) غير آبهين بأنين أمٍّ فقدت بيتها أو صرخة طفل نازح.
إن ما تفعله فرقة “شباب حلوين” هو المقاومة بالفن في أبهى صورها؛ فبينما اختار البعض أن يكونوا مباخر للسلطة الغاشمة وأبواقاً للحرب، اختار عمر فضل الله ورفاقه أن يكونوا صوتاً للمقهورين. ليثبتوا بهذا العمل الدرامي الهادف (جايطة) أن الفرق بين المبدع الحقيقي وخادم السلطة، يتمثل في من يحمل همّ وطنه ومن يحمل حقيبة شيكاته.
إن التاريخ الفني لا يرحم، وذاكرة الشعب السوداني قوية بما يكفي لفرز الخبيث من الطيب. ففي الوقت الذي سيُذكر فيه هؤلاء الشباب كحراس للقيم ومنبر للوعي، سيُطوى ذكر المتاجرين بمواقفهم في مزبلة النسيان، حيث لا تبقى إلا الكلمة الصادقة والفن الذي انحاز لضحايا الحرب لا لأمراء حرائقها.
تحية لفرقة “شباب حلوين”.. وتحية لكل فنان سوداني رفض أن يبيع شرفه المهني في سوق النخاسة السياسي، وظل وفياً لشعبٍ لم يبخل عليه يوماً بالحب والولاء.





