
أحمد الليثي
في زحام الشوارع القديمة، بين جدران الخراب وصدى الوجع، تمضي الأنثى بخطى خائفة، كأن الأرض تُراقب أنفاسها.
عيونٌ تنهشها قبل أن تنبس بكلمة، قبل أن تختار ملبسها أو مشيتها.
وكأنها مذنبةٌ لمجرد كونها امرأة… تمشي.
حين يُفرط الضوء في وهجه، لا يُبقي لنا وجهًا… ولا ظلًا.
نصير مكشوفين كجروحٍ لم تُشفَ،
كأسرارٍ فاضت عن حذرها.
نصير عراةً أمام مرايانا،
نُحدّق في انكساراتنا،
ولا نجد ملامح نستدلّ بها علينا.
في الضوء القاسي يُنفى الظل، كأنه لم يكن رفيق الخطى ولا ذاكرة الأقدام.
هكذا تُدفع الأنثى إلى ضوءٍ جارحٍ يفضحها لا ليحميها، بل ليحاكم وجودها ذاته.
التحرش ليس فعلًا عابرًا، بل جرحٌ متجذّر في النسيج؛ ثقافة صمتٍ، وتواطؤ مجتمعٍ يلوم الضحية ويعفو عن الجاني.
كلماتٌ تنغرس كالسكاكين، نظراتٌ تخلع الأمان من الروح، وأصواتٌ تتهامس:
“كان يجب أن تتستر…
أن تختفي…
أن لا تكون.”
في السودان، كما في بقاعٍ كثيرة، التحرش ليس حادثةً عابرة، بل ميراث خوفٍ تتناقله الألسنة والعيون.
ثقافةٌ تشد الخمار فوق فم الحقيقة، وترمي العار على الضحية، ثم تسألها ببرود:
“لماذا تبكين؟”
لكن إلى متى؟
إلى متى تُجلد الأنثى بذنبٍ لم تقترفه؟
إلى متى تُعتبر كرامتها شيئًا قابلاً للتفاوض؟
الأنثى هنا تكتب وجعها على جدران القلب، بصمتٍ مقاوم، بحلمٍ عن وطنٍ لا يخذلها.
صوتها ليس ضعيفًا، بل مُقصى.
ووجعها ليس شخصيًا، بل عام.
وكل صرخةٍ في صدرها
ليست مجرد ألمٍ عابر،
بل ثورةٌ تنتظر
أن تُسمع.