نساء السودان النازحات… كيف يصنعن الأمل في قلب المأساة؟

جيمس رينولدز -الإندبندنت

في الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تبرز قصص مؤثرة لنساء سودانيات فقدن منازلهن وأجبرتهن الحرب على الفرار، لكنهن ما زلن يقاومن اليأس ويحاولن بناء حياة جديدة رغم أقسى الظروف الإنسانية.

من بين هؤلاء النساء فاطمة، وهي مزارعة سودانية وأم لعدة أطفال، اضطرت إلى مغادرة منزلها في السودان بعد إندلاع الحرب عام 2023. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة. تقول فاطمة:

“غادرنا السودان بسبب الحرب. أي شخص يقف في طريق المقاتلين يتم إقصاؤه ببساطة. السودان هو المكان الذي ولدنا وترعرعنا فيه، لكننا أُجبرنا على الرحيل”.

حرب مدمرة ونزوح جماعي

منذ اندلاع الصراع في السودان في عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، تحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وتشير التقديرات إلى أن الحرب خلفت نحو 400 ألف قتيل، بينما أجبرت أكثر من 11 مليون شخص على النزوح داخل البلاد وخارجها.

ومع اشتداد القتال، فرّ مئات الآلاف من المدنيين إلى الدول المجاورة، خاصة تشاد، حيث يعيش كثير منهم اليوم في مخيمات مؤقتة مكتظة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية مثل الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

لكن النساء والفتيات هن الأكثر تضرراً من هذه الأزمة. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تعرضت كثير منهن لعنف واسع النطاق، يشمل الاغتصاب والاختطاف والقتل، في ظل انهيار منظومات الحماية داخل مناطق النزاع.

رحلة النزوح لا تعني الأمان

بالنسبة لفاطمة، لم تنتهِ المعاناة بعد عبور الحدود. فالحياة في مخيمات اللاجئين لا تزال مليئة بالمخاطر.

أحد التحديات اليومية التي تواجهها النساء هو جمع الحطب للطهي، وهو أمر يبدو بسيطاً لكنه قد يتحول إلى رحلة خطيرة. إذ تضطر النساء إلى مغادرة المخيمات والسير لمسافات طويلة في مناطق نائية، ما يعرضهن لخطر الاعتداء أو العنف الجنسي.

وتقول فاطمة إنها تجد صعوبة في هذه المهمة بسبب مرضها وضعف بصرها، مضيفة:

“أضطر أحياناً إلى السير لمسافات طويلة لجمع الحطب، ومع كل رحلة يزداد الخوف”.

وبحسب تقارير إنسانية، أفاد أكثر من ثلاثة أرباع النازحين في تشاد بتعرضهم لنوع من الأذى الخطير، مثل الاعتداء الجسدي أو السرقة أو العنف الجنسي.

النساء يبتكرن الحلول

رغم هذه الظروف القاسية، بدأت مبادرات تقودها النساء أنفسهن في تقديم حلول عملية للتخفيف من معاناة النازحين.

فقد تعاونت منظمة الإغاثة البريطانية ShelterBox مع تعاونيات نسائية محلية في العاصمة التشادية نجامينا لتصميم مواقد طهي أكثر كفاءة.

هذه المواقد تستهلك أقل بنسبة 70% من الحطب، ما يقلل الحاجة إلى الخروج المتكرر لجمعه، وبالتالي يقلل المخاطر التي تواجهها النساء خارج المخيمات.

وتقول مسؤولة البرنامج في المنظمة إن النساء النازحات أنفسهن لعبن دوراً أساسياً في تطوير هذه الفكرة، لأنهن الأكثر معرفة بالتحديات اليومية التي يواجهنها.

وأضافت:

“النساء يعرفن مشاكل مجتمعهن أكثر من أي جهة أخرى. عندما نمنحهن الفرصة للمشاركة في الحلول، نجد أفكاراً عملية ومستدامة”.

من خيمة إلى بيت آمن

بالنسبة لنساء كثيرات، فإن الحصول على مأوى آمن يعد خطوة كبيرة نحو استعادة الشعور بالكرامة والاستقرار.

فبعض العائلات النازحة تمكنت من الحصول على مساكن شبه دائمة بجدران معززة وأبواب قابلة للإغلاق، وهو ما منح النساء شعوراً بالأمان لم يكن متوفراً في الخيام البلاستيكية الهشة.

تقول إحدى النساء النازحات إن المأوى الجديد سمح لها بالذهاب للعمل وترك أطفالها دون خوف من السرقة أو الاعتداء.

وتضيف:

“في الماضي كان مأوانا مجرد أغطية بلاستيكية ممزقة. كنا نخشى دائماً على ممتلكاتنا القليلة. اليوم نشعر بقدر أكبر من الأمان”.

النساء في قلب العمل الإنساني

لم تعد النساء مجرد متلقّيات للمساعدات، بل أصبحن شريكات في إدارتها أيضاً.

ففي بعض المخيمات تشارك النساء في لجان مجتمعية لتقديم الشكاوى والملاحظات حول توزيع المساعدات الإنسانية، والمساهمة في تحسين الخدمات المقدمة للنازحين.

هذه المشاركة تمنح النساء صوتاً في القرارات التي تؤثر مباشرة على حياتهن وحياة أسرهن.

أزمة نزوح عالمية

لا تقتصر أزمة النزوح على السودان وحده. فوفق تقديرات الأمم المتحدة، يوجد حالياً نحو 117 مليون شخص نازح حول العالم بسبب الحروب والكوارث الطبيعية.

لكن تجربة النساء السودانيات تظل واحدة من أكثر القصص تعبيراً عن قدرة الإنسان على الصمود.

رغم الفقدان والنزوح والظروف القاسية، ما تزال كثير من النساء السودانيات يتمسكن بالأمل في العودة إلى ديارهن يوماً ما.

فاطمة، مثل ملايين السودانيين، لا تزال تحلم بالرجوع إلى أرضها ومزرعتها التي تركتها خلفها.

وتقول بصوت مليء بالحنين:

“نحن لا نريد سوى السلام… نريد أن نعود إلى بيوتنا”.

 

Exit mobile version