الصفقة الخاسرة

 

ليست المشكلة في أن تتفاوض القوى السياسية  وحتى الحركة الإسلامية مع الولايات المتحدة، أو أن تبحث عن مخارج عبر المجتمع الدولي، أو حتى أن تقبل بتسليم مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية. فالدول تُدار بالمصالح، والسياسة ليست كتابًا في الطهرانية الأخلاقية. كما أن العدالة ليست جريمة، ولا يصبح التفاوض خيانة لمجرد أنه يجري مع الأمريكيين أو غيرهم.

المشكلة الحقيقية تكمن في شيء آخر أكثر خطورة وعمقًا: في هذا التناقض الفادح بين ما يُقال للناس في العلن، وما يُدار في الغرف المغلقة.

فعلى مدى عقود، رفعت الحركة الإسلامية في السودان شعارات المواجهة مع الغرب، وقدّمت نفسها بوصفها حائط الصد الأخير في وجه “المشروع الأمريكي الصهيوني”، وخاضت باسم تلك الشعارات معارك طويلة، ليس أقلها الحرب في جنوب السودان التي دُفع إليها آلاف الشباب تحت لافتات الجهاد والدفاع عن العقيدة والهوية. يومها، امتلأت المنابر بالخطب، والجامعات بحملات التعبئة، والشوارع بمواكب “ساحات الفداء”، بينما كانت أجيال كاملة تُساق إلى الحرب وهي تعتقد أنها تخوض معركة مقدسة، ودفع السودانيين والسودان ثمنا باهظا لتلك المواقف .

مات آلاف الشباب قتلوا وهم يظنون أنهم يدافعون عن قضية كبرى، بينما كانت السياسة — في كثير من الأحيان — تتحرك في اتجاه آخر تمامًا.

واليوم، وبعد كل هذا الخراب، تنكشف المفارقة القاسية من جديد. فالقوى ذاتها التي ظلّت تُجرّم أي حديث عن التطبيع أو التفاوض أو التفاهم مع الغرب، أصبحت — بحسب ما تكشفه الوقائع والتسريبات — أكثر الأطراف استعدادًا لطرق أبواب واشنطن وتل أبيب، وعرض خدماتها الأمنية والسياسية مقابل العودة إلى المشهد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذها.

هنا تحديدًا تكمن “الصفقة الخاسرة”.

ليست الخسارة في التفاوض نفسه، بل في أن الذين جعلوا من هذه الشعارات دينًا سياسيًا، وعاقبوا الناس بها، وقتلوا بها خصومهم معنويًا وماديًا، هم أنفسهم أول من يتخلون عنها حين تصبح السلطة في خطر.

لقد قيل للسودانيين لعشرات السنين إن أمريكا عدو، وإن إسرائيل خطر وجودي، وإن المحكمة الجنائية مؤامرة استعمارية، وإن أي صوت يدعو للتسوية أو الواقعية السياسية هو صوت عميل أو مهزوم أو متآمر. وباسم هذه اللغة الحادة، أُغلقت مساحات السياسة، وتم تخوين المخالفين، وتحولت الوطنية إلى اختبار ولاء للتنظيم لا للوطن.

لكن ما الذي حدث حين اهتزت السلطة؟

فجأة، أصبح التفاوض مع الأمريكيين ضرورة.

وأصبح البحث عن وسطاء إسرائيليين أمرًا ممكنًا.

وأصبح الحديث عن تسليم مطلوبين للمحكمة الجنائية جزءًا من أوراق التفاهم المطروحة في الغرف المغلقة.

كل ذلك بينما يستمر الخطاب العلني القديم ذاته، وكأن شيئًا لم يتغير.

وهذا بالضبط ما يجعل الأزمة أخلاقية وسياسية في آن واحد. فالقضية ليست في مراجعة المواقف؛ مراجعة المواقف أمر طبيعي بل ومطلوب أحيانًا. لكن الكارثة هي أن تتم هذه المراجعات سرًا، بينما يُترك الناس أسرى الخطاب القديم نفسه، ويُدفع الشباب مرة أخرى إلى معارك جديدة بالشعارات ذاتها التي يجري التفاوض عليها خلف الأبواب المغلقة.

فالحرب الحالية نفسها تكشف هذا التناقض بصورة أكثر فجاجة. إذ لا يبدو أن لها مشروعًا وطنيًا واضحًا بقدر ما تبدو صراعًا مفتوحًا على السلطة والنفوذ وإعادة التموضع. ومع ذلك، ما تزال ماكينة التعبئة تعمل بذات اللغة القديمة: لغة المعركة المصيرية، والدفاع عن الكرامة، والحرب الوجودية.

لكن، في المقابل، ماذا يجري في الكواليس؟

اتصالات.

وساطات.

رسائل إلى واشنطن.

وأوراق تعرض التعاون الأمني والسياسي.

أي أن ما يُطرح للناس شيء، وما يُدار فعليًا شيء آخر تمامًا.

لقد دفعت أجيال سودانية كاملة ثمن هذا الانفصال المزمن بين الخطاب والحقيقة. من حرب الجنوب إلى حرب دارفور، وصولًا إلى الحرب الحالية، ظل الشباب هم الوقود الدائم لشعارات كبرى، بينما كانت السياسة الحقيقية تُدار بمنطق مختلف تمامًا، تحكمه الحسابات الباردة للسلطة والبقاء.

والأسوأ من ذلك أن هذه التناقضات لا تؤدي فقط إلى انهيار الثقة السياسية، بل إلى تآكل المعنى نفسه. فحين تكتشف المجتمعات أن الشعارات التي قُدمت باعتبارها ثوابت مقدسة يمكن التفاوض حولها بسهولة في اللحظة المناسبة، فإن النتيجة لا تكون فقط سقوط خطاب سياسي، بل سقوط منظومة كاملة من المصداقية.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات العالية، ولا إلى شعارات الحرب والمواجهة، بل إلى قدر من الصدق السياسي. يحتاج إلى قوى تقول للناس الحقيقة كما هي، لا كما تريد تعبئتهم بها. يحتاج إلى مشروع يعترف بأن السياسة مصالح وتوازنات، لا ساحات دائمة للهتاف والمزايدة، وأن الوطن لا يمكن أن يُدار بعقلية التعبئة المستمرة.

أما أخطر ما في “الصفقة الخاسرة”، فهو أن الذين ظلوا يرفضون أي تنازل يمكن أن يفتح بابًا لتسوية وطنية بين السودانيين، أو يوقف الحرب، أو يؤسس لدولة تتسع للجميع، هم أنفسهم الأكثر استعدادًا لتقديم التنازلات حين يصبح بقاؤهم الشخصي أو التنظيمي مهددًا.

وهنا تحديدًا تتجلى المأساة السودانية بأوضح صورها:

بلد يُطلب من أبنائه أن يموتوا دفاعًا عن شعارات، بينما يجلس صانعو تلك الشعارات أنفسهم خلف الأبواب المغلقة للتفاوض على كل شيء.

 

Exit mobile version