الجوع ينهش الطفولة في ظل الانهيار المعيشي

أفق جديد

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم أزمة سوء التغذية وسط الأطفال بصورة مقلقة، في ظل الانهيار الاقتصادي، وتعطل الخدمات الصحية، وصعوبة وصول الغذاء إلى ملايين الأسر، خاصة في مناطق النزوح وأحياء الأطراف بالعاصمة الخرطوم وولايات النزاع.

وبحسب تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، فإن نحو 19.5 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، بينهم 135 ألف شخص في مرحلة “الكارثة”، وهي أخطر مراحل المجاعة.

في حي “صالحة” بمدينة أم درمان، تجلس عائشة جبريل، وهي تحمل طفلها ذي الأعوام الثلاثة، تتأمل جسده النحيل وعينيه الغائرتين بحزن بالغ. تقول لـ “أفق جديد”: “ابني لم يعد يطلب اللعب، فقط يشتكي من الدوخة والجوع. أحيانًا نكتفي بوجبة واحدة في اليوم، وإن توفرت تكون مجرد عصيدة بملاح”.

وجبة واحدة لا تكفي

يواجه السودان واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، حيث بات أكثر من 40 بالمئة من السكان مهددين بالمجاعة، في ظل الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

في حي “مانديلا” طرفي جنوب الخرطوم، تقول المواطنة هاجر مصطفى، إن أسعار المواد الغذائية أصبحت فوق قدرة الأسر المنهكة بالحرب. وتضيف: “كيس العدس والزيت والحليب تضاعفت أسعارها مرات كثيرة، ولم نعد قادرين على توفير الطعام المتوازن للأطفال. معظم الأيام يأكلون الخبز الجاف والشاي فقط”.

وتشير إلى أن طفلها الأصغر فقد وزنه بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة، بينما تعجز الأسرة عن شراء الفيتامينات أو الذهاب إلى المراكز الصحية بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والمواصلات.

أما الطريفي عيسى، وهو عامل يقيم بمنطقة “حطاب” بمدينة بحري، فيقول إن الأطفال يعيشون أوضاعًا قاسية، حيث تندر الوجبات المغذية ومياه الشرب النظيفة. ويوضح لـ “أفق جديد”: “في بعض الأيام تعتمد الأسر على التكايا أو المساعدات، لكنها لا تكفي الجميع. الأطفال هم الأكثر تأثرًا، وكثير منهم تظهر عليهم علامات الضعف والهزال”.

الجوع والعجز

حذّرت منظمات الأمم المتحدة، وهي منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، وبرنامج الأغذية العالمي، من أزمة حادة في الغذاء ومياه الشرب تهدد ملايين السودانيين، نتيجة نقص التمويل وفرض قيود حكومية كبيرة على دخول المساعدات الإنسانية.

وقالت المنظمات الثلاث، في بيان مشترك، إن 825 ألف طفل يواجهون خطر الموت بسبب سوء التغذية، فيما يعاني أكثر من 17 مليون شخص من نقص حاد في مياه الشرب النظيفة.

داخل أحد مراكز التغذية، تروي فاطمة إبراهيم معاناتها مع طفلتها الرضيعة التي تعاني من سوء تغذية حاد. تقول: “الحرب سرقت منا كل شيء. فقدنا المنزل والعمل، وحتى الحليب أصبح حلمًا صعبًا. أشعر بالعجز عندما أبكي مع طفلتي ولا أملك ما أطعمها به”.

وتؤكد أن نقص الغذاء لم يعد المشكلة الوحيدة، بل إن انقطاع الكهرباء وتراجع خدمات المياه أسهما أيضًا في انتشار الأمراض والإسهالات وسط الأطفال، ما يزيد من تدهور أوضاعهم الصحية.

انعدام الأمن الغذائي

يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل شخصين من كل خمسة في السودان، حاليًا مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى) وفقًا لأحدث تحليل صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

ورغم أن التحليل الأخير لم يحدد مناطق تشهد مجاعة فعلية حالياً (المرحلة الخامسة)، فإن الأوضاع لا تزال تثير قلقاً بالغاً.

ويُظهر التحليل أن ما يقرب من 135 ألف شخص يواجهون انعداماً كارثياً في الأمن الغذائي (المرحلة الخامسة) في 14 منطقة ساخنة بولايات دارفور وجنوب كردفان، ما يضعهم أمام خطر المجاعة خلال الأشهر المقبلة.

كما يُصنف أكثر من خمسة ملايين شخص ضمن المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، بينما يقع نحو 14 مليون شخص ضمن المرحلة الثالثة (الأزمة). ومن المتوقع أن تتفاقم الأوضاع خلال موسم الجفاف الممتد بين يونيو وسبتمبر. وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين: “يُهدد الجوع وسوء التغذية ملايين الأرواح حالياً”.

ويرى مختصون في الشأن الإنساني أن استمرار الحرب وتعطل سلاسل الإمداد وارتفاع معدلات الفقر قد يدفع بمزيد من الأطفال إلى دائرة سوء التغذية الحاد، خاصة مع تراجع قدرة الأسر على توفير الغذاء والرعاية الصحية الأساسية.

معاناة الأطفال

تشير التقديرات إلى أن نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة قدرها 7% مقارنة بعام 2025، و25 بالمئة أعلى من مستويات ما قبل النزاع المسجلة بين عامي 2021 و2023.

وخلال الفترة الممتدة من يناير إلى مارس من العام الجاري وحده، تم إدخال ما يقرب من 100 ألف طفل لتلقي العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم، الذي قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم تتم معالجته بشكل عاجل.

وسجلت منطقتا أم برو وكرنوي مستويات حرجة من سوء التغذية في ديسمبر 2025، ومن المتوقع استمرار المعدلات المرتفعة في هاتين المنطقتين، مع وجود مناطق أخرى معرضة لخطر التدهور، لا سيما في المناطق المحاصرة ومخيمات النازحين داخليًا.

وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة “يونيسف”، كاثرين راسل: “في جميع أنحاء السودان، يعاني الأطفال من أزمة متواصلة من العنف والجوع والمرض”.

وأضافت: “نزحت العديد من العائلات مرات عدة، ويصل الأطفال المصابون بسوء التغذية الحاد الوخيم إلى المرافق الصحية المكتظة وهم في حالة ضعف شديدة لا تسمح لهم حتى بالبكاء. ومن دون تحرك عاجل ووصول إنساني مستدام، سيموت المزيد من الأطفال”.

ويقول المتحدث الرسمي باسم العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، إنه في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعاني منها ملايين النازحين في مخيمات متفرقة في السودان ودارفور، تتفاقم أزمة صحية خطيرة، تتسم بانتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية الحاد، لا سيما بين الأطفال والنساء، وقد أصبحت هذه المخيمات، التي تفتقر للغذاء الكافي والمياه النظيفة وخدمات الرعاية الصحية الأساسية، بؤراً لتفشي الأوبئة ومسرحاً يومياً لانهيار إنساني واسع النطاق.

وأضاف في بيان تلقته “أفق جديد”: “في مناطق جبل مرة، سُجلت أكثر من 200 حالة مشتبه بها بجدري القرود، غالبيتهم من الأطفال؛ و259 حالة مشتبه بها بالسعال الديكي؛ و116 حالة أخرى”. ويضيف: “يعاني آلاف الأطفال من الهزال وفقدان الوزن، بينما تواجه النساء الحوامل خطر الموت أثناء الولادة بسبب سوء التغذية ونقص الرعاية الطبية. الأمراض المعدية: ينتشر الملاريا والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي بشكل متفشٍّ نتيجةً لنقص الأدوية والمراكز الصحية المؤهلة”.

ويحذر ناشطون من أن الأزمة تجاوزت حدود الجوع المؤقت، لتتحول إلى تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل يواجه الحرمان من الغذاء والعلاج والتعليم في آنٍ واحد.

وبين أصوات القصف وأزمات النزوح، تبقى معركة آلاف الأمهات اليومية في السودان هي البحث عن لقمة تسند أطفالهن، في بلد أنهكته الحرب حتى صار الغذاء نفسه رفاهية بعيدة المنال

Exit mobile version